محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
زائدة ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا ، فنزع خاتمه . وقوله : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ يقول : فأصبح قوم هود وقد هلكوا وفنوا ، فلا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم التي كانوا يسكنونها . واختلفت القراء في قراءة قوله فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة " لا ترى إلا مساكنهم " بالتاء نصبا ، بمعنى : فأصبحوا لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ بالياء في يُرى ، ورفع المساكن ، بمعنى : ما وصفت قبل أنه لا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم . وروى الحسن البصري " لا ترى " بالتاء ، وبأي القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والكوفة قرأ ذلك القارئ فمصيب وهو القراءة برفع المساكن إذا قرئ قوله يُرى بالياء وضمها وبنصب المساكن إذا قرئ قوله : " ترى " بالتاء وفتحها ، وأما التي حكيت عن الحسن ، فهي قبيحة في العربية وإن كانت جائزة ، وإنما قبحت لأن العرب تذكر الأفعال التي قبل إلا ، وإن كانت الأسماء التي بعدها أسماء إناث ، فتقول : ما قام إلا أختك ، ما جاءني إلا جاريتك ، ولا يكادون يقولون : ما جاءتني إلا جاريتك ، وذلك أن المحذوف قبل إلا أحد ، أو شيء واحد ، وشيء يذكر فعلهما العرب ، وإن عنى بهما المؤنث ، فتقول : إن جاءك منهن أحد فأكرمه ، ولا يقولون : إن جاءتك ، وكان الفراء يجيزها على الاستكراه ، ويذكر أن المفضل أنشده : ونارنا لم تر نارا مثلها * قد علمت ذاك معد كرما فأنث فعل مثل لأنه للنار ، قال : وأجود الكلام أن تقول : ما رؤي مثلها . وقوله : كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يقول تعالى ذكره : كما جزينا عادا بكفرهم بالله من العقاب في عاجل الدنيا ، فأهلكناهم بعذابنا ، كذلك نجزي القوم الكافرين بالله من خلقنا ، إذ تمادوا في غيهم وطغوا على ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ . . . فَما أَغْنى . . . ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى ذكره لكفار قريش : ولقد مكنا أيها القوم عادا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا ، وأعطيناهم منها الذي لم نعطكم منهم من كثرة الأموال ، وبسطة الأجسام ، وشدة الأبدان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثني أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يقول : لم نمكنكم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ : أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم . وقوله : وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً يسمعون به مواعظ ربهم ، وأبصارا يبصرون بها حجج الله ، وأفئدة يعقلون بها ما يضرهم وينفعهم . فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ يقول : فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له ، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب الله ، ولكنهم استعملوها فيما يقربهم من سخطه . إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يقول : إذ كانوا يكذبون بحجج الله وهم رسله ، وينكرون نبوتهم . وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول : وعاد عليهم ما استهزءوا به ، ونزل بهم ما سخروا به ، فاستعجلوا به من العذاب ، وهذا وعيد من الله جل ثناؤه لقريش ، يقول لهم : فاحذروا أن يحل بكم من العذاب على كفركم بالله وتكذيبكم رسله ، ما حل بعاد ، وبادروا بالتوبة قبل النقمة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى . . . فَلَوْ لا . . . يَفْتَرُونَ