محمد بن جرير الطبري

7

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها . . . فِي السَّعِيرِ يقول تعالى ذكره : وهكذا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد قُرْآناً عَرَبِيًّا بلسان العرب ، لأن الذين أرسلتك إليهم قوم عرب ، فأوحينا إليك هذا القرآن بألسنتهم ، ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره ، لأنا لا نرسل رسولا إلا بلسان قومه ، ليبين لهم لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وهي مكة وَمَنْ حَوْلَها يقول : ومن حول أم القرى من سائر الناس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى قال : مكة . وقوله : وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ يقول عز وجل : وتنذر عقاب الله في يوم الجمع عباده لموقف الحساب والعرض . وقيل : وتنذر يوم الجمع ، والمعنى : وتنذرهم يوم الجمع ، كما قيل : يخوف أولياءه ، والمعنى : يخوفكم أولياءه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ قال : يوم القيامة . وقوله : لا رَيْبَ فِيهِ يقول : لا شك فيه . وقوله : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ يقول : منهم فريق في الجنة ، وهم الذين آمنوا بالله واتبعوا ما جاءهم به رسوله وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ يقول : ومنهم فريق في الموقدة من نار الله المسعورة على أهلها ، وهم الذين كفروا بالله ، وخالفوا ما جاءهم به رسوله . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي قبيل المعافري ، عن شفى الأصبحي ، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يده كتابان ، فقال : " هل تدرون ما هذا ؟ " فقلنا : لا ، إلا أن تخبرنا يا رسول الله ، قال : " هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل الجنة ، وأسماء آبائهم وقبائلهم " ، ثم أجمل ، على آخرهم ، " فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، وهذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم " ، ثم أجمل على آخرهم ، " فلا يزاد ولا ينقص منهم أبدا " ، قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ففيم إذن نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل سددوا وقاربوا ، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل ، وصاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل ، فرغ ربكم من العباد " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما : " فرغ ربكم من الخلق ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير " قالوا : سبحان الله ، فلم نعمل وننصب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العمل إلى خواتمه " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح ، عن يحيى بن أبي أسيد ، أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن الله تعالى ذكره لما خلق آدم نفضه نفض المزود ، فأخرج منه كل ذرية ، فخرج أمثال النغف ، فقبضهم قبضتين ، ثم قال : شقي وسعيد ، ثم ألقاهما ، ثم قبضهما فقال : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ . حدثني يونس قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي شبويه ، حدثه عن ابن حجيرة أنه بلغه أن موسى قال : يا رب خلقك الذين خلقتهم ، جعلت منهم فريقا في الجنة ، وفريقا في السعير ، لوما أدخلتهم كلهم الجنة قال : يا موسى ارفع زرعك ، فرفع ، قال : قد رفعت ، قال : ارفع ، فرفع ، فلم يترك شيئا ، قال : يا رب قد رفعت ، قال : ارفع ، قال : قد رفعت إلا ما لا خير فيه ، قال : كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه . وقيل : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ فرفع . وقد تقدم الكلام قبل ذلك بقوله : لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها بالنصب ، لأنه أريد به الابتداء ، كما يقال : رأيت العسكر مقتول أو منهزم ، بمعنى : منهم مقتول ، ومنهم منهزم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً . . . مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يقول تعالى ذكره : ولو أراد الله أن يجمع خلقه على هدى ، ويجعلهم على ملة واحدة لفعل ،