محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ وذلك العذاب الغليظ تخليدهم في نار جهنم ، لا يموتون فيها ولا يحيون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى . . . مَسَّهُ . . . عَرِيضٍ يقول تعالى ذكره : وإذا نحن أنعمنا على الكافر ، فكشفنا ما به من ضر ، ورزقناه غنى وسعة ، ووهبنا له صحة جسم وعافية ، أعرض عما دعوناه إليه من طاعته ، وصد عنه وَنَأى بِجانِبِهِ يقول : وبعد من إجابتنا إلى ما دعوناه إليه ، ويعني بجانبه بناحيته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ يقول : أعرض : صد بوجهه ، ونأى بجانبه : يقول : تباعد . وقوله : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ يعني بالعريض : الكثير . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ يقول : كثير ، وذلك قول الناس : أطال فلان الدعاء : إذا أكثر ، وكذلك أعرض دعاءه . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قُلْ يا محمد للمكذبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن أَ رَأَيْتُمْ أيها القوم إِنْ كانَ هذا الذي تكذبون به مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ألستم في فراق وبعد من الصواب ، فجعل مكان التفريق الخبر ، فقال : مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ إذا كان مفهوما معناه . وقوله : مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يقول : قل لهم من أشد ذهابا عن قصد السبيل ، وأسلك لغير طريق الصواب ، ممن هو في فراق لأمر الله وخوف له ، بعيد من الرشاد . القول في تأويل قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ يقول تعالى ذكره : سنري هؤلاء المكذبين ، ما أنزلنا على محمد عبدنا من الذكر ، آياتنا في الآفاق . واختلف أهل التأويل في معنى الآيات التي وعد الله هؤلاء القوم أن يريهم ، فقال بعضهم : عني بالآيات في الآفاق وقائع النبي صلى الله عليه وسلم بنواحي بلد المشركين من أهل مكة وأطرافها ، وبقوله : وَفِي أَنْفُسِهِمْ فتح مكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن المنهال ، في قوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قال : ظهور محمد صلى الله عليه وسلم على الناس . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يقول : ما نفتح لك يا محمد من الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ في أهل مكة ، يقول : نفتح لك مكة . وقال آخرون : عنى بذلك أنه يريهم نجوم الليل وقمره ، وشمس النهار ، وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق . وقالوا : عنى بالآفاق : آفاق السماء ، وبقوله : وَفِي أَنْفُسِهِمْ سبيل الغائط والبول . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال : آفاق السماوات : نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين ، وآيات في أنفسهم أيضا . وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول ، وهو ما قاله السدي ، وذلك أن الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذبين آيات في الآفاق ، وغير معقول أن يكون تهددهم بأن يريهم ما هم راءوه ، بل الواجب أن يكون ذلك وعدا منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا راؤه قبل من ظهور نبي الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم ، فأما النجوم والشمس والقمر ، فقد كانوا يرونها كثيرا قبل وبعد ولا وجه لتهددهم بأنه يريهم ذلك . وقوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يقول جل ثناؤه : أري هؤلاء المشركين وقائعنا بأطرافهم وبهم حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا إلى محمد ، وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو ما بعثناه به من الدين على الأديان كلها ، ولو كره