محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

استغنى بدلالة ما ذكر عليه . ومعنى الكلام : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، فإنهم يقال لهم : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم من عقابي ، فإني قد أمنتكم منه برضاي عنكم ، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا فإن الذي قدمتم عليه خير لكم مما فارقتموه منها . وذكر أن الناس ينادون هذا النداء يوم القيامة ، فيطمع فيها من ليس من أهلها حتى يسمع قوله : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ فييأس منها عند ذلك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه أبو المعتمر ، قال سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع ، فينادي مناد : يا عباد الله لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، فيرجوها الناس كلهم ، قال : فيتبعها الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال : فييأس الناس منها غير المسلمين . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ وقوله : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا يقول تعالى ذكره : يا عبادي الذين آمنوا وهم الذين صدقوا بكتاب الله ورسله ، وعملوا بما جاءتهم به رسلهم ، وكانوا مسلمين ، يقول : وكانوا أهل خضوع لله بقلوبهم ، وقبول منهم لما جاءتهم به رسلهم عن ربهم على دين إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم ، حنفاء لا يهود ولا نصارى ، ولا أهل أوثان . وقوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ يقول جل ثناؤه : ادخلوا الجنة أنتم أيها المؤمنون وأزواجكم مغبوطين بكرامة الله ، مسرورين بما أعطاكم اليوم ربكم . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : تُحْبَرُونَ وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى ، وبينا الصحيح من القول فيه عندنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، غير أنا نذكر بعض ما لم يذكر هنا لك من أقوال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ أي تنعمون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : تُحْبَرُونَ قال : تنعمون . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : تُحْبَرُونَ قال : تكرمون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ قال : تنعمون . القول في تأويل قوله تعالى : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ . . . فِيها خالِدُونَ يقول تعالى ذكره : يطاف على هؤلاء الذين آمنوا بآياته في الدنيا إذا دخلوا الجنة في الآخرة بصحاف من ذهب ، وهي جمع للكثير من الصحفة ، والصحفة : القصعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ قال : القصاع . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن شعبة ، قال : " إن أدنى أهل الجنة منزلة ، من له قصر فيه سبعون ألف خادم ، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبها ، لو فتح بابه فضافه أهل الدنيا لأوسعهم " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، جعفر ، عن سعيد ، قال : " إن أخس أهل الجنة منزلا من له سبعون ألف خادم ، مع كل خادم صحفة من ذهب ، لو نزل به جميع أهل الأرض لأوسعهم ، لا يستعين عليهم بشيء من غيره ، وذلك في قول الله تبارك وتعالى : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ولهم فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي أيوب الأزدي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : " ما أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام ، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه " . وقوله : وَأَكْوابٍ وهي جمع كوب ، والكوب : الإبريق المستدير الرأس ، الذي لا أذن له ولا خرطوم ، وإياه عنى الأعشى بقوله : صريفية طيب طعمها * لها زبد بين كوب ودن