محمد بن جرير الطبري

55

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قراءة قوله : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ على كسر العين من العلم . وروي عن ابن عباس ما ذكرت عنه في فتحها ، وعن قتادة والضحاك . والصواب من القراءة في ذلك : الكسر في العين ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي ، وإنه لذكر للساعة ، فذلك مصحح قراءة الذين قرءوا بكسر العين من قوله : لَعِلْمٌ . وقوله : فَلا تَمْتَرُنَّ بِها يقول : فلا تشكن فيها وفي مجيئها أيها الناس . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَلا تَمْتَرُنَّ بِها قال : تشكون فيها . وقوله : وَاتَّبِعُونِ يقول تعالى ذكره : وأطيعون فاعملوا بما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يقول : اتباعكم إياي أيها الناس في أمري ونهي صراط مستقيم ، يقول : طريق لا اعوجاج فيه ، بل هو قويم . وقوله : وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ يقول جل ثناؤه : ولا يعدلنكم الشيطان عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم ، فتخالفوه إلى غيره ، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتضلوا إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يقول : إن الشيطان لكم عدو يدعوكم إلى ما فيه هلاككم ، ويصدكم عن قصد السبيل ، ليوردكم المهالك ، مبين قد أبان لكم عداوته ، بامتناعه من السجود لأبيكم آدم ، وإدلائه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدا وبغيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ . . . بَعْضَ الَّذِي . . . مُسْتَقِيمٌ يقول تعالى ذكره : ولم جاء عيسى بني إسرائيل بالبينات ، يعني بالواضحات من الأدلة . وقيل : عني بالبينات : الإنجيل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ أي بالإنجيل . وقوله : قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قيل : عني بالحكمة في هذا الموضع : النبوة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قال : النبوة . وقد بينت معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده ، وذكرت اختلاف المختلفين في تأويله ، فأغنى ذلك عن إعادته . وقوله : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ يقول : ولأبين لكم معشر بني إسرائيل بعض الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال : من تبديل التوراة . وقد قيل : معنى البعض في هذا الموضع بمعنى الكل ، وجعلوا ذلك نظير قول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يعتلق بعض النفوس حمامها قالوا : الموت لا يعتلق بعض النفوس ، وإنما المعنى : أو يعتلق النفوس حمامها ، وليس لما قال هذا القائل كبير معنى ، لأن عيسى إنما قال لهم : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، لأنه قد كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم ، فقال لهم : أبين لكم بعض ذلك ، وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم ، فلذلك خص ما أخبرهم أنه يبينه لهم . وأما قول لبيد : " أو يعتلق بعض النفوس " ، فإنه إنما قال ذلك أيضا كذلك ، لأنه أراد : أو يعتلق نفسه حمامها ، فنفسه من بين النفوس لا شك أنها بعض لا كل . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ يقول : فاتقوا ربكم أيها الناس بطاعته ، وخافوه باجتناب معاصيه ، وأطيعون فيما أمرتكم به من اتقاء الله واتباع أمره ، وقبول نصيحتي لكم . وقوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يقول : إن الله الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهية وإخلاص الطاعة له ، ربي وربكم جميعا ، فاعبدوه وحده ، لا تشكروا معه في عبادته شيئا ، فإنه لا يصلح ، ولا ينبغي أن يعبد شيء سواه . وقوله : هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يقول : هذا الذي أمرتكم به من اتقاء الله وطاعتي ، وإفراد الله بالألوهة ، هو الطريق