محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ . . . مِنْ ذَهَبٍ . . . مُقْتَرِنِينَ يقوله تعالى ذكره مخبرا عن قيل فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه ، وبيان لسانه وتمام خلقه . وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه وموسى : أنا خير أيها القوم ، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده ، والآفة التي بلسانه ، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه ؟ وقد اختلف في معنى قوله : أَمْ في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معناها : بل أنا خير ، وقالوا . ذلك خبر ، لا استفهام . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد : قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال : بل أنا خير من هذا . وبنحو ذلك كان يقول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة . وقال بعض نحويي الكوفة ، هو من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله . قال : وإن شئت رددته على قوله : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ؟ وإذا وجه الكلام إلى أنه استفهام ، وجب أن يكون في الكلام محذوف استغني بذكر ما ذكر مما ترك ذكره ، ويكون معنى الكلام حينئذ : أنا خير أيها القوم من هذا الذي هو مهين ، أم هو ؟ . وذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ ذلك " أما أم أنا خير " . حدثنا بذلك عن الفراء قال : أخبرني بعض المشيخة أنه بلغه أن بعض القراء قرأ كذلك ، ولو كانت هذه القراءة قراءة مستفيضة في قراءة الأمصار لكانت صحيحة ، وكان معناها حسنا ، غير أنها خلاف ما عليه قراء الأمصار ، فلا أستجيز القراءة بها ، وعلى هذه القراءة لو صحت لا كلفة له في معناها ولا مؤونة . والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار أم . وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك ، تأويل من جعل : أَمْ أَنَا خَيْرٌ ؟ من الاستفهام الذي جعل بأم ، لاتصاله بما قبله من الكلام ، ووجهه إلى أنه بمعنى : أأنا خير من هذا الذي هو مهين ؟ أم هو ؟ ثم ترك ذكر أم هو ، لما في الكلام من الدليل عليه . وعني بقوله : مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ من هذا الذي هو ضعيف لقلة ماله ، وأنه ليس له من الملك والسلطان ماله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال : ضعيف . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال : المهين : الضعيف . وقوله : وَلا يَكادُ يُبِينُ يقول : ولا يكاد يبين الكلام من عي لسانه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلا يَكادُ يُبِينُ أي عي اللسان . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلا يَكادُ يُبِينُ الكلام . وقوله : فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ يقول : فهلا ألقي على موسى إن كان صادقا أنه رسول رب العالمين أسورة من ذهب ، وهو جمع سوار ، وهو القلب الذي يجعل في اليد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ يقول : أقلبة من ذهب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أي أقلبة من ذهب . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة " فلو لا ألقي عليه أساورة أسورة من ذهب " . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأه أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي ما عليه قراءة الأمصار ، وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى . واختلف أهل العربية في واحد الأساورة ، والأسورة ، فقال بعض نحويي البصرة : الأسورة جمع إسوار قال : والأساورة جمع الأسورة ؛ وقال : ومن قرأ ذلك أساورة ، فإنه أراد أساوير والله أعلم ، فجعل الهاء عوضا