محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا في قراءة ابن مسعود " سل الذين يقرءون الكتاب من قبلك " يعني : مؤمني أهل الكتاب . وقال آخرون : بل الذي أمر بمسألتهم ذلك الأنبياء الذين جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الآية ، قال : جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس ، فأمهم ، وصلى بهم ، فقال الله له : سلهم ، قال : فكان أشد إيمانا ويقينا بالله وبما جاء من الله أن يسألهم ، وقرأ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ قال : فلم يكن في شك ، ولم يسأل الأنبياء ، ولا الذين يقرءون الكتاب . قال : ونادى جبرائيل صلى الله عليه وسلم ، فقلت في نفسي : " الآن يؤمنا أبونا إبراهيم " ؛ قال : " فدفع جبرائيل في ظهري " ، قال : تقدم يا محمد فصل ، وقرأ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حتى بلغ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك ، قول من قال : عني به : سل مؤمني أهل الكتابين . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يقال : سل الرسل ، فيكون معناه : سل المؤمنين بهم وبكتابهم ؟ قيل : جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم ، فالخبر عنهم وعما جاءوا به من ربهم إذا صح بمعنى خبرهم ، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسؤول من أهل العلم بهم والصدق عليهم ، وذلك نظير أمر الله جل ثناؤه إيانا برد ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول ، يقول : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ومعلوم أن معنى ذلك : فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ، لأن الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول . وكذلك قوله : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا إنما معناه : فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل ، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا ، فاستغنى بذكر الرسل من ذكر الكتب ، إذ كان معلوما ما معناه . وقوله : أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يقول : أمرناهم بعبادة الآلهة من دون الله فيما جاءوهم به ، أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ؟ أتتهم الرسل يأمرونهم بعبادة الآلهة من دون الله ؟ وقيل : آلِهَةً يُعْبَدُونَ ، فأخرج الخبر عن الآلهة مخرج الخبر عن ذكور بني آدم ، ولم يقل : تعبد ، ولا يعبدن ، فتؤنث وهي حجارة ، أو بعض الجماد كما يفعل في الخبر عن بعض الجماد . وإنما فعل ذلك كذلك ، إذ كانت تعبد وتعظم تعظيم الناس ملوكهم وسراتهم ، فأجري الخبر عنها مجرى الخبر عن المملوك والأشراف من بني آدم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ . . . جاءَهُمْ بِآياتِنا . . . يَضْحَكُونَ يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا يا محمد موسى بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه ، كما أرسلناك إلى هؤلاء المشركين من قومك ، فقال لهم موسى : إني رسول رب العالمين ، كما قلت أنت لقومك من قريش إني رسول الله إليكم . فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ يقول : فلما جاء موسى فرعون وملأه بحججنا وأدلتنا على صدق قوله ، فيما يدعوهم إليه من توحيد الله والبراءة من عبادة الآلهة ، إذا فرعون وقومه مما جاءهم به موسى من الآيات والعبر يضحكون ؛ كما أن قومك مما جئتهم به من الآيات والعبر يسخرون ، وهذا تسلية من الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مشركي قومه ، وإعلام منه له ، أن قومه من أهل الشرك لن يعدو أن يكونوا كسائر الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رسله ، وندب منه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الاستنان في الصبر عليهم بسنن أولي العزم من الرسل ، وإخبار منه له أن عقبى مردتهم إلى البوار والهلاك كسنته في المتمردين عليه قبلهم ، وإظفاره بهم ، وإعلائه أمره ، كالذي فعل بموسى عليه