محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في العين ، يقال منه : عشا فلان يعشو عشوا وعشوا : إذا ضعف بصره ، وأظلمت عينه ، كأن عليه غشاوة ، كما قال الشاعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا يعني : متى تفتقر فتأته يعنك . وأما إذا ذهب البصر ولم يبصر ، فإنه يقال فيه : عشي فلان يعشى عشى منقوص ، ومنه قول الأعشى : رأت رجلا عائب الوافدين * مختلف الخلق أعشى ضريرا يقال منه : رجل أعشى وامرأة عشواء . وإنما معنى الكلام : ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه إلا نظرا ضعيفا ، كنظر من قد عشي بصره نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يقول : إذا أعرض عن ذكر الله نقيض له شيطانا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال : يعرض . وقد تأوله بعضهم بمعنى " ومن يعم ، ومن تأول ذلك كذلك ، فيجب أن تكون قراءته " ومن يعش " بفتح الشين على ما بينت قبل . ذكر من تأوله كذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال : من يعم عن ذكر الرحمن . وقوله : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يقول تعالى ذكره : وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله ، عن سبيل الحق ، فيزينون لهم الضلالة ، ويكرهون إليهم الإيمان بالله ، والعمل بطاعته وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يقول : ويظن المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة ، أنهم على الحق والصواب ، يخبر تعالى ذكره عنهم أنهم من الذي هم عليه من الشرك على شك وعلى غير بصيرة . وقال جل ثناؤه : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فأخرج ذكرهم مخرج ذكر الجميع ، وإنما ذكر قبل واحدا ، فقال : نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً لأن الشيطان وإن كان لفظه واحدا ، ففي معنى جمع . القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَنا . . . وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اختلفت القراء في قراءة قوله : حَتَّى إِذا جاءَنا فقرأته عامة قراء الحجاز سوى ابن محيصن ، وبعض الكوفيين وبعض الشاميين " حتى إذا جاآنا " على التثنية بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا الذي عشي عن ذكر الرحمن ، وقرينه الذي قيض له من الشياطين . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وابن محيصن : حَتَّى إِذا جاءَنا على التوحيد ، بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أن في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا ، الكفاية للسامع عن خبر الآخر ، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الآخر ، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : حتى إذا جاءانا هو وقرينه جميعا . وقوله : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يقول تعالى ذكره : قال أحد هذين القرينين لصاحبه الآخر : وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين : أي بعد ما بين المشرق والمغرب ، فغلب اسم أحدهما على الآخر ، كما قيل : شبه القمرين ، وكما قال الشاعر : أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع