محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مِنْ سَبِيلٍ يقول : ومن يخذله عن طريق الحق فما له من طريق إلى الوصول إليه ، لأن الهداية والإضلال بيده دون كل أحد سواه . وقوله : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ يقول تعالى ذكره للكافرين به : أجيبوا أيها الناس داعي الله وآمنوا به واتبعوه على ما جاءكم به من عند ربكم . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يقول : لا شيء يرد مجيئه إذا جاء الله به ، وذلك يوم القيامة . ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يقول جل ثناؤه : ما لكم أيها الناس من معقل تحترزون فيه ، وتلجئون إليه ، فتعتصمون به من النازل بكم من عذاب الله على كفركم به ، كان في الدنيا وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ يقول : ولا أنتم تقدرون لما يحل بكم من عقابه يومئذ على تغييره ، ولا على انتصار منه إذا عاقبكم بما عاقبكم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ قال : من محرز . وقوله : مِنْ نَكِيرٍ قال : ناصر ينصركم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ تلجئون إليه وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ يقول : من عز تعتزون . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ . . . إِلَّا الْبَلاغُ . . . الْإِنْسانَ كَفُورٌ يقول تعالى ذكره : فإن أعرض هؤلاء المشركون يا محمد عما أتيتهم به من الحق ، ودعوتهم إليه من الرشد ، فلم يستجيبوا لك ، وأبوا قبوله منك ، فدعهم ، فإنا لن نرسلك إليهم رقيبا عليهم ، تحفظ عليهم أعمالهم وتحصيها . إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ يقول : ما عليك يا محمد إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم من الرسالة ، فإذا بلغتهم ذلك ، فقد قضيت ما عليك . وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها يقول تعالى ذكره : فإنا إذا أغنينا ابن آدم فأعطيناه من عندنا سعة ، وذلك هو الرحمة التي ذكرها جل ثناؤه ، فرح بها : يقول : سر بما أعطيناه من الغنى ، ورزقناه من السعة وكثرة المال . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يقول : وإن أصابتهم فاقة وفقر وضيق عيش . بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يقول : بما أسلفت من معصية الله عقوبة له على معصيته إياه ، جحد نعمة الله ، وأيس من الخير . فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ يقول تعالى ذكره : فإن الإنسان جحود نعم ربه ، يعدد المصائب ، ويجحد النعم . وإنما قال : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ فأخرج الهاء والميم مخرج كناية جمع الذكور ، وقد ذكر الإنسان قبل ذلك بمعنى الواحد ، لأنه بمعنى الجمع . القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يقول تعالى ذكره : لله سلطان السماوات السبع والأرضين ، يفعل في سلطانه ما يشاء ، ويخلق ما يحب خلقه ، يهب لمن يشاء من خلقه من الولد الإناث دون الذكور ، بأن يجعل كل ما حملت زوجته من حمل منه أنثى وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يقول : ويهب لمن يشاء منهم الذكور ، بأن يجعل كل حمل حملته امرأته ذكرا لا أنثى فيهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً قال : يخلط بينهم يقول : التزويج : أن تلد المرأة غلاما ، ثم تلد جارية ، ثم تلد غلاما ، ثم تلد جارية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ قادر والله ربنا على ذلك أن يهب للرجل ذكورا ليست معهم أنثى ، وأن يهب للرجل ذكرانا وإناثا ، فيجمعهم له جميعا ، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً لا يولد له . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قول الله عز وجل : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ليست معهم