محمد بن جرير الطبري
24
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وفي ذلك أعظم المدح . وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وقد بينا فيما مضى معنى ذلك ، وأن معناه : وجزاء سيئة المسئ عقوبته بما أوجبه الله عليه ، فهي وان كانت عقوبة من الله أوجبها عليه ، فهي مساءة له . والسيئة : إنما هي الفعلة من السوء ، وذلك نظير قول الله عز وجل وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وقد قيل : إن معنى ذلك : أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : قال لي أبو بشر : سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها قال : يقول أخزاه الله ، فيقول : أخزاه الله . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها قال : إذا شتمك بشتمة فاشمته مثلها من غير أن تعتدي . وكان ابن زيد يقول في ذلك بما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ من المشركين وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ الآية ، ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ، ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد . فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام : وجزاء سيئة من المشركين إليك ، سيئة مثلها منكم إليهم ، وإن عفوتم وأصلحتم في العفو ، فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله ، إنه لا يحب الكافرين ؛ وهذا على قوله كقول الله عز وجل فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وللذي قال من ذلك وجه . غير أن الصواب عندنا : أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم لها ، وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر يقطع العذر أو حجة يجب التسليم لها . ولم يثبت حجة في قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أنه مراد به المشركون دون المسلمين ، ولا بأن هذه الآية منسوخة ، فنسلم لها بأن ذلك كذلك . وقوله : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يقول جل ثناؤه : فمن عفا عمن أساء إليه إساءته إليه ، فغفرها له ، ولم يعاقبه بها ، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه الله ، فأجر عفوه ذلك على الله ، والله مثيبه عليه ثوابه . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ يقول : إن الله لا يحب أهل الظلم الذين يتعدون على الناس ، فيسيئون إليهم بغير ما أذن الله لهم فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . . . يَبْغُونَ . . . أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : ولمن انتصر ممن ظلمه من بعد ظلمه إياه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ يقول : فأولئك المنتصرون منهم لا سبيل للمنتصر منهم عليهم بعقوبة لا أذى ، لأنهم انتصروا منهم بحق ، ومن أخذ حقه ممن وجب ذلك له عليه ، ولم يتعد ، لم يظلم ، فيكون عليه سبيل . وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بذلك ، فقال بعضهم : عني به كل منتصر ممن أساء إليه ، مسلما كان المسئ أو كافرا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا معاذ ، قال : ثنا ابن عون ، قال : كنت أسأل عن الانتصار وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ الآية ، فحدثني علي بن زيد بن جدعان ، عن أم محمد امرأة أبيه ، قال ابن عون : زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين قالت : قالت أم المؤمنين : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندنا زينب بنت جحش ، فجعل يصنع بيده شيئا ، ولم يفطن لها ، فقلت بيدي حتى فطنته لها ، فأمسك ، وأقبلت زينب تقحم عائشة ، فنهاها ، فأبت أن تنتهي ، فقال لعائشة : " سبيها " فسبتها وغلبتها وانطلقت زينب فأتت عليا ، فقالت : إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم ، فجاءت فاطمة ، فقال لها : " إنها حبة أبيك ورب الكعبة " ، فانصرفت وقالت لعلي : إني قلت له كذا وكذا ، فقال كذا وكذا ؛ قال : وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ الآية ، قال : هذا في الخمش يكون بين الناس . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :