محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إلى غيره . وقوله : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يقول تعالى ذكره : ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم ، فتشك فيه ، كالذي شكوا فيه . وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ يقول تعالى ذكره : وقل لهم يا محمد : صدقت بما أنزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب ، توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم ، لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب ، وتصديقكم ببعض . وقوله : وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ يقول تعالى ذكره : وقل لهم يا محمد : وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب ، فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه . كالذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قال : أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل ، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه . والعدل ميزان الله في الأرض ، به يأخذ للمظلوم من الظالم ، وللضعيف من الشديد ، وبالعدل يصدق الله الصادق ، ويكذب الكاذب ، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه . ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام : كان يقول : ثلاث من كن فيه أعجبني جدا : القصد في الفاقة والغنى ، والعدل في الرضا والغضب ، والخشية في السر والعلانية ؛ وثلاث من كن فيه أهلكه : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه . وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وبدن صابر ، وزوجة مؤمنة . واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله : وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ فقال بعض نحويي البصرة : معناها : كي ، وأمرت كي أعدل ؛ وقال غيره : معنى الكلام : وأمرت بالعدل ، والأمر واقع على ما بعده ، وليست اللام التي في لأعدل بشرط ؛ قال : وَأُمِرْتُ تقع على " أن " وعلى " كي " واللام أمرت أن أعبد ، وكي أعبد ، ولأعبد . قال : وكذلك كل من طالب الاستقبال ، ففيه هذه الأوجه الثلاثة . والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل ، لأن معناه : وأمرت بالعدل بينكم . وقوله : اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ يقول : الله مالكنا ومالككم معشر الأحزاب من أهل الكتابين التوراة والإنجيل . لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يقول : لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال ، ولكم ثواب ما اكتسبتم منها . وقوله : لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ يقول : لا خصومة بيننا وبينكم . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ والحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيع ، عن مجاهد ، في قوله : لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ قال : لا خصومة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل : لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ لا خصومة بيننا وبينكم ، وقرأ : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلى آخر الآية . وقوله : اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا يقول : الله يجمع بيننا يوم القيامة ، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه . وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يقول : وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من بعد ما استجاب له الناس ، فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ يقول : خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ يقول : وعليهم من الله غضب ، ولهم في الآخرة عذاب شديد ، وهو عذاب النار . وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينهم ، وطمعوا أن يصدوهم عنه ، ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر . ذكر الرواية عمن ذكر ذلك عنه : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ،