محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عبدا حبشيا نبيا ، فهو الذي لم نقصص عليك . وقوله : وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وما جعلنا لرسول ممن أرسلناه من قبلك الذين قصصناهم عليك ، والذين لم نقصصهم عليك إلى أممها أن يأتي قومه بآية فاصلة بينه وبينهم ، إلا بإذن الله له بذلك ، فيأتيهم بها ؛ يقول جل ثناؤه لنبيه : فلذلك لم يجعل لك أن تأتي قومك بما يسألونك من الآيات دون إذننا لك بذلك ، كما لم نجعل لمن قبلك من رسلنا إلا أن نأذن له به فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ يعني بالعدل ، وهو أن ينجي رسله والذين آمنوا معهم وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ يقول : وهلك هنا لك الذين أبطلوا في قيلهم الكذب ، وافترائهم على الله وادعائهم له شريكا . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها . . . عَلَى الْفُلْكِ . . . تُنْكِرُونَ يقول تعالى ذكره : اللَّهِ الذي لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ من الإبل والبقر والغنم والخيل ، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم لِتَرْكَبُوا مِنْها يعني : الخيل والحمير وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني الإبل والبقر والغنم . وقال : لِتَرْكَبُوا مِنْها ومعناه : لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون ، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف . وقوله : وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ، ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين . وقوله : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يقول : ولتبلغوا بالحمولة على بعضها ، وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا هي ، إلا بشق أنفسكم ، كما قال جل ثناؤه : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ لحاجتكم ما كانت . وقوله : وَعَلَيْها يعني : وعلى هذه الإبل ، وما جانسها من الأنعام المركوبة وَعَلَى الْفُلْكِ يعني : وعلى السفن تُحْمَلُونَ يقول نحملكم على هذه في البر ، وعلى هذه في البحر وَيُرِيكُمْ آياتِهِ يقول : ويريكم حججه ، فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ يقول : فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها ، فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله ، وتدعون من دونه إلها . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول تعالى ذكره : أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد ، فإنهم أهل سفر إلى الشام واليمن ، رحلتهم في الشتاء والصيف ، فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم ، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا ، وجحودهم آياتنا ، كيف كان عقبى تكذيبهم كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ يقول : كان أولئك الذين من قبل هؤلاء المكذبيك من قريش أكثر عددا من هؤلاء وأشد بطشا ، وأقوى قوة ، وأبقى في الأرض آثارا ، لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ويتخذون مصانع . وكان مجاهد يقول في ذلك ما : حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَآثاراً فِي الْأَرْضِ المشي بأرجلهم . فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول : فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا ، لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال ، ولم يدفع عنهم ذلك شيئا . ولكنهم بادوا جميعا فهلكوا . وقد قيل : إن معنى قوله : فَما أَغْنى عَنْهُمْ فأي شيء أغني عنهم ؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون " ما " الأولى في موضع نصب ، والثانية في موضع رفع .