محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا ، وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه ، فيتدبرها ويعتبر بها ، فيعلم وحدانيته وقدرته على خلق ما شاء من شيء ، ويؤمن به ويصدق . والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره ، وذلك مئل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله ، فيتفكر فيها ويتعظ ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه ، وعظيم سلطانه وقدرته على خلق ما يشاء ؛ يقول جل ثناؤه : كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول جل ثناؤه : ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله ، المطيعون لربهم ، ولا المسئ ، وهو الكافر بربه ، العاصي له ، المخالف أمره قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ يقول حل ثناؤه : قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله ، فتعتبرون وتتعظون ؛ يقول : لو تذكرتم آياته واعتبرتم ، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فنى من خلقه من بعد الفناء ، وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم ، وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم . واختلفت القراء في قراءة قوله : تَتَذَكَّرُونَ فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة : " يتذكرون " بالياء على وجه الخبر ، وقرأته عامة قراء الكوفة : تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على وجه الخطاب ، والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ . . . أَسْتَجِبْ لَكُمْ يقول تعالى ذكره : إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها الناس لا شك في مجيئها ؛ يقول : فأيقنوا بمجيئها ، وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم ، ومجازون بأعمالكم ، فتوبوا إلى ربكم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ يقول : ولكن أكثر قريش لا يصدقون بمجيئها . وقوله : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ يقول تعالى ذكره : ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني : يقول : اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك أَسْتَجِبْ لَكُمْ يقول : أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ يقول : وحدوني أغفر لكم . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا عبد الله بن داود ، عن الأعمش ، عن زر ، عن يسيع الحضرمي ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدعاء هو العبادة " وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، والأعمش عن زر ، عن يسيع الحضرمي ، عن النعمان بن بشير ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الدعاء هو العبادة ، وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الآية . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن زر ، عن يسيع قال أبو موسى : هكذا قال غندر ، عن سعيد ، عن منصور ، عن زر ، عن يسيع ، عن النعمان بن بشير قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الدعاء هو العبادة " وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن زر ، عن يسيع عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا يوسف بن العرف الباهلي ، عن الحسن بن أبي جعفر ، عن محمد بن جحادة ، عن يسيع الحضرمي ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عبادتي دعائي " ثم تلا هذه الآية : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي