محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ يقول : وإن يك صادقا في قيله ذلك ، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون ، فلا حاجة بكم إلى قتله ، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يقول : إن الله لا يوفق للحق من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله ، كذاب عليه يكذب ، ويقول عليه الباطل وغير الحق . وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني به الشرك ، وأراد : إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال . ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ مشرك أسرف على نفسه بالشرك . وقال آخرون : عنى به من هو قتال سفاك للدماء بغير حق . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ قال : المسرف : هو صاحب الدم ، ويقال : هم المشركون . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عم بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ والشرك من الإسراف ، وسفك الدم بغير حق من الإسراف ، وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران كلاهما ، فالحق أن يعم ذلك كما أخبر جل ثناؤه عن قائله ، أنه عم القول بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يعني : أرض مصر ، يقول : لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بني إسرائيل في أرض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يقول : فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا ، وعقوبته أن جاءتنا ، قال فرعون ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى يقول : قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى : ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا ، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يقول : وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله ، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دينكم ، وأظهر في أرضكم الفساد . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يقول تعالى ذكره : وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه : يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزبوا على رسل الله نوح وهود وصالح ، فأهلكهم الله بتجرئهم عليه ، فيهلككم كما أهلكهم . وقوله : مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ يقول : يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم . وقد بينا معنى الدأب فيما مضى بشواهده ، المغنية عن إعادته ، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه . وقد : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ يقول : مثل حال . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ قال : مثل ما أصابهم . وقوله : وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني قوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وهم أيضا من الأحزاب ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ قال : هم الأحزاب . وقوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه : وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه