محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكره مسليا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، عما كان يلقى من مشركي قومه من قريش ، بإعلامه ما لقي موسى ممن أرسل إليه من تكذيب ، ومخيره انه معليه عليهم ، وجاعل دائرة السوء على من حاده وشاقه ، كسنته في موسى صلوات الله عليه ، إذ أعلاه ، وأهلك عدوه فرعون وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني بأدلته . وَسُلْطانٍ مُبِينٍ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي عذر مبين . يقول : وحججه المبينة لمن يراها أنها حجة محققة ما يدعو إليه موسى إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ يقول : فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى : هو ساحر يسحر العصا ، فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى ، كَذَّابٌ يقول : يكذب على الله ، ويزعم أنه أرسله إلى الناس رسولا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ يقول تعالى ذكره : فلما جاء موسى هؤلاء الذين أرسله الله إليهم بالحق من عندنا ، وذلك مجيئه إياهم بتوحيد الله ، والعمل بطاعته ، مع إقامة الحجة عليهم ، بأن الله أبتعثه إليهم بالدعاء إلى ذلك قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله مَعَهُ من بني إسرائيل وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ يقول : واستبقوا نساءهم للخدمة . فإن قال قائل : وكيف قيل فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وإنما كان قتل فرعون الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه ، وهلاك قومه ، وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيا ؟ قيل : إن هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى ، واستحياء نسائهم ، كان أمرا من فرعون وملئه من بعد الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ قال : هذا قتل غير القتل الأول الذي كان . وقوله : وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ يقول : وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله إلا في جور عن سبيل الحق ، وصد عن قصد المحجة ، وأخذ على غير هدى . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ يقول تعالى ذكره : وَقالَ فِرْعَوْنُ لملته : ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ يقول : إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره . واختلفت القراء في قراءة قوله : أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة : " وأن يظهر في الأرض الفساد " بغير ألف ، وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : أَوْ أَنْ بالألف ، وكذلك ذلك في مصاحفهم " يظهر في الأرض " بفتح الياء ورفع الفساد . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى ، وذلك أن الفساد إذا أظهره مظهرا كان ظاهرا ، وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر ، ففي القراءة بإحدى القراءتين في ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى . وأما القراءة في : أَوْ أَنْ يُظْهِرَ بالألف وبحذفها ، فإنهما أيضا متقاربتا المعنى ، وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدل إليه الأول هو الظاهر دون المبدل ، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدل دينهم بالواو أو بأو ، لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد ، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين . فتأويل الكلام إن : إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه ، أو أن