محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
زيد ، في قوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ قال : يوم القيامة ، وقرأ : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ وقوله : إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ يقول تعالى ذكره : إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم ، فتعلقت بحلوقهم كاظميها ، يرومون ردها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع ، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ قال : قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة ، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ قال : شخصت أفئدتهم عن أمكنتها ، فنشبت في حلوقهم ، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا ، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقر . واختلف أهل العربية في وجه النصب كاظِمِينَ فقال بعض نحويي البصرة : انتصابه على الحال ، كأنه أراد : إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : الألف واللام بدل من الإضافة ، كأنه قال : إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم . وقال آخر منهم : هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر ، المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين . قال : فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله وَأَنْذِرْهُمْ قال : والأول أجود في العربية ، وقد تقدم بيان وجه ذلك . وقوله : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يقول جل ثناؤه : ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم لهم ، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله ، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع ، ويجاب فيما سأل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ قال : من يعنيه أمرهم ، ولا شفيع لهم . وقوله : يُطاعُ صلة للشفيع . ومعنى الكلام : ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع ، فأجيب وقبلت شفاعته له . وقوله : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يقول جل ذكره مخبرا عن صفة نفسه : يعلم ربكم ما خانت أعين عباده ، وما أخفته صدورهم ، يعني : وما أضمرته قلوبهم ؛ يقول : لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه ، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره ، وما ينوي ذلك بقلبه وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ يقول : والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها ، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق ، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم ، وصرفوها عن محارمه حذارا لموقف بين يديه ، ومسألته عنه بالحسنى ، والذين رددوا النظر ، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدرت ، جزاءها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الله بن أحمد المروزي ، قال : ثنا علي بن حسين بن واقد قال : ثني أبي ، قال : ثنا الأعمش ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا وَما تُخْفِي الصُّدُورُ إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا ؟ قال : ثم سكت ، ثم قال : ألا أخبركم بالتي تليها ؟ قلت نعم ، قال : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة ، وبالسيئة السيئة إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ قال الحسن : فقلت للأعمش : حدثني به الكلبي ، إلا أنه قال : إن الله قادر على أن يحزي بالسيئة السيئة ، وبالحسنة عشرا . وقال الأعمش : إن الذي عند الكلبي عندي ، ما خرج مني إلا بحقير . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا