محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عقابي إياهم ، ألم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة ، ولمن بعدهم عظة ؟ وأجعل ديارهم ومساكنهم منهم خلاء ، وللوحوش ثواء . وقد : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ قال : شديد والله . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يقول تعالى ذكره : وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها التي قصصت عليك يا محمد قصصها عذابي ، وحل بها عقابي بتكذيبهم رسلهم ، وجدالهم إياهم بالباطل ، ليدحضوا به الحق ، كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك ، الذين يجادلون في آيات الله . وقوله : أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ اختلف أهل العربية في موضع قوله أَنَّهُمْ فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار : أي لأنهم ، أو بأنهم ، وليس أنهم في موضع مفعول ليس مثل قولك : أحققت أنهم لو كان كذلك كان أيضا أحققت ، لأنهم . وكان غيره يقول : " أنهم " بدل من الكلمة ، كأنه أحقن الكلمة حقا أنهم أصحاب النار . والصواب من القول في ذلك ، أن قوله " أنهم " ترجمة عن الكلمة ، بمعنى : وكذلك حق عليهم عذاب النار ، الذي وعد الله أهل الكفر به . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ . . . رَحْمَةً وَعِلْماً . . . الْجَحِيمِ يقول تعالى ذكره : الذين يحملون عرش الله من ملائكته ، ومن حول عرشه ، ممن يحف به من الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقول : يصلون لربهم بحمده وشكره وَيُؤْمِنُونَ بِهِ يقول : ويقرون بالله أنه لا إله لهم سواه ، ويشهدون بذلك ، لا يستكبرون عن عبادته وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يقول : ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد الله ، والبراءة من كل معبود سواه ذنوبهم ، فيعفوها عنهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا لأهل لا اله إلا الله . وقوله : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وفي هذا الكلام محذوف ، وهو يقولون ؛ ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون : يا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما . ويعني بقوله : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك ، فعلمت كل شيء ، فلم يخف عليك شيء ، ورحمت خلقك ، ووسعتهم برحمتك . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم ، فقال بعض نحويي البصرة : انتصاب ذلك كانتصاب لك مثله عبدا ، لأنك قد جعلت وسعت كل شيء ، وهو مفعول له ، والفاعل التاء ، وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا ، وقد شغلت عنهما الفعل كما شغلت المثل بالهاء ، فلذلك نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل ؛ وقالا غيره : هو من المنقول ، وهو مفسر ، وسعت رحمته وعلمه ، ووسع هو كل شيء رحمة ، كما تقول : طابت به نفسي ، طوبت به نفسا ، قال : أما لك مثله عبدا ، فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا ، والمثل غير معلوم ، ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة ، فلذلك نصب العبد ، وله أن يرفع ، واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر : ما في معد والقبائل كلها * قحطان مثلك واحد معدود وقال : رد " الواحد " على " مثل " لأنه نكرة ، قال : ولو قلت : ما مثلك رجل ، ومثلك رجل ، ومثلك رجلا ، جاز ، لأن مثل يكون نكرة ، وإن كان لفظها معرفة . وقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يقول : فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك ، فرجع إلى توحيدك ، واتبع أمرك ونهيك ، كما : حدثنا بشر ،