محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نحويي البصرة : أدخلت " من " في هذين الموضعين توكيدا ، والله أعلم ، كقولك : ما جاءني من أحد ؛ وقال غيره : قبل وحول وما أشبههما ظروف تدخل فيها " من " وتخرج ، نحو : أتيتك قبل زيد ، ومن قبل زيد ، وطفنا حولك ومن حولك ، وليس ذلك من نوع : ما جاءني من أحد ، لأن موضع " من " في قولهم : ما جاءني من أحد رفع ، وهو اسم . والصواب من القول في ذلك عندي أن " من " في هذه الأماكن ، أعني في قوله مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ومن قبلك ، وما أشبه ذلك ، وإن كانت دخلت على الظروف فإنها بمعنى التوكيد . وقوله : يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقول : يصلون حول عرش الله شكرا له ؛ والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح ، وتحذفها أحيانا ، فتقول : سبح بحمد الله ، وسبح حمد الله ، كما قال جل ثناؤه : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وقال في موضع آخر : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وقوله : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يقول : وقضى الله بين النبيين الذين جيء بهم ، والشهداء وأممها بالعدل ، فأسكن أهل الإيمان بالله ، وبما جاءت به رسله الجنة . وأهل الكفر به ، ومما جاءت به رسله النار . وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية ، وملك جميع ما في السماوات والأرض من الخلق من ملك وجن وإنس ، وغير ذلك من أصناف الخلق . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ الآية ، كلها قال : فتح أول الخلق بالحمد لله ، فقال : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وختم بالحمد فقال : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ آخر تفسير سورة الزمر [ تفسير سورة غافر ] القول في تأويل قوله تعالى : حم . . . قابِلِ التَّوْبِ . . . الْمَصِيرُ اختلف أهل التأويل في معنى قوله حم فقال بعضهم : هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحيم ، وهو الحاء والميم منه . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد لله بن أحمد بن شبويه المروزي ، قال : ثنا علي بن الحسن ، قال : ثني أبي ، عن يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : الر ، وحم ، ون ، حروف الرحمن مقطعة . وقال آخرون : هو قسم أقسمه الله ، وهو اسم من أسماء الله . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : حم قسم أقسمه الله ، وهو اسم من أسماء الله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله حم من حروف أسماء الله . وقال آخرون : بل هو اسم من أسماء القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة حم قال : اسم من أسماء القرآن . وقال آخرون : هو حروف هجاء . وقال آخرون : بل هو اسم ، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي : يذكرني حاميم والرمح شاجر * فهلا تلاحم قبل التقدم