محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك ، أو ينالهم تكذيبا منهم به ، وأحاط ذلك بهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا . . . لا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدة دعانا مستغيثا بنا من جهة ما أصابه من الضر ، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا يقول : ثم إذا أعطيناه فرجا مما كان فيه من الضر ، بأن أبدلناه بالضر رخاء وسعة ، وبالسقم صحة وعافية ، فقال : إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة ، والصحة في البدن والعافية ، على علم عندي صلى الله عليه وسلم ، يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي عندي يعني : فيما عندي ، كما يقال : أنت محسن في هذا الأمر عندي : أي فيما أظن وأحسب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال دلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا حتى بلغ عَلى عِلْمٍ عندي : أي على خير عندي . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قال : أعطيناه . وقوله : أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ : أي على شرف أعطانيه . وقوله : بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ يقول تعالى ذكره : بل عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضر الذي كانوا فيه فتنة لهم ؛ يعني بلاء ابتليناهم به ، واختبارا اختبرناهم به وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لجهلهم ، وسوء رأيهم لا يَعْلَمُونَ لأي سبب أعطوا ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يريد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ : أي بلاء . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ يقول تعالى ذكره : قد قال هذه المقالة يعني قولهم : لنعمة الله التي خولهم وهم مشركون : أوتيناه على علم عندنا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : الذي من قبل مشركي قريش من الأمم الخالية لرسلها ، تكذيبا منهم لهم ، واستهزاء بهم . وقوله : فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول : فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله على تكذيبهم رسل الله واستهزائهم بهم ما كانوا يكسبون من الأعمال ، وذلك عبادتهم الأوثان . يقول : لم تنفعهم خدمتهم إياها ، ولم تشفع آلهتهم لهم عند الله حينئذ ، ولكنها أسلمتهم وتبرأت منهم . وقوله : فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا يقول : فأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية ، وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال ، فعوجلوا بالخزي في دار الدنيا ، وذلك كقارون الذي قال حين وعظ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فخسف الله به وبداره الأرض فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يقول الله عز وجل ثناؤه : وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : والذين كفروا بالله يا محمد من قومك ، وظلموا أنفسهم وقالوا هذه المقالة سيصيبهم أيضا وبال سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا كما أصاب الذين من قبلهم بقولهم إياها وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ يقول : وما يفوقون ربهم ولا يسبقونه هربا في الأرض من عذابه إذا نزل بهم ، ولكنه يصيبهم سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ففعل ذلك بهم ، فأحل بهم خزيه في عاجل الدنيا فقتلهم بالسيف يوم بدر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قالا ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الأمم الماضية وَالَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء ، قال : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ