محمد بن جرير الطبري

85

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كان مختلف المعنى باختلاف الفتح فيه والضم ، لقد كانوا فرقوا بين ذلك في المعنى . فإذ كان ذلك كذلك ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب ؛ وأصل ذلك من قولهم : أفاقت الناقة ، فهي تفيق إفاقة ، وذلك إذا ردت ما بين الرضعتين ولدها إلى الرضعة الأخرى ، وذلك أن ترضع البهيمة أمها ، ثم تتركها حتى ينزل شيء من اللبن ، فتلك الإفاقة ؛ يقال إذا اجتمع ذلك في الضرع فيقة ، كما قال الأعشى : حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت * جاءت لترضع شق النفس لو رضعا وقوله : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش : يا ربنا عجل لنا كتبنا قبل يوم القيامة . والقط في كلام العرب : الصحيفة المكتوبة ؛ ومنه قول الأعشى : ولا الملك النعمان يوم لقيته * بنعمته يعطي القطوط ويأفق يعني بالقطوط : جمع القط ، وهي الكتب بالجوائز . واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أراد هؤلاء المشركون بمسألتهم تعجيل القط لهم ، فقال بعضهم : إنما سألوا ربهم تعجيل حظهم من العذاب الذي أعد لهم في الآخرة في الدنيا ، كما قال بعضهم : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا يقول : العذاب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ قال : سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله : لَنا قِطَّنا قال : عذابنا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قال : عذابنا . حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي نصيبنا حظنا من العذاب قبل يوم القيامة ، قال : قد قال ذلك أب جهل : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الآية . وقال آخرون : بل إنما سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد صلى الله عليه وسلم فيؤمنوا حينئذ به ويصدقوه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قالوا : أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك . وقال آخرون : مسألتهم نصيبهم من الجنة ، ولكنهم سألوا تعجيله لهم في الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ثابت الحداد ، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ قال : نصيبنا من الجنة . وقال آخرون : بل سألوا ربهم تعجيل الرزق . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمر بن علي ، قال : ثنا أشعث السجستاني ، قال : ثنا شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قال : رزقنا . وقال آخرون : سألوا أن يعجل لهم كتبهم التي قال قال الله فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ في الدنيا ، لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم ؟ ولينظروا من أهل الجنة هم ، أم من أهل