محمد بن جرير الطبري
76
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القرآن أنه أنزله ذكرا لعباده ذكرهم به ، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق . واختلف في الذي وقع عليه اسم القسم ، فقال بعضهم ؛ وقع القسم على قوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ قال : هاهنا وقع القسم . وكان بعض أهل العربية يقول : " بل " دليل على تكذيبهم ، فاكتفى ببل من جواب القسم ، وكأنه قيل : ص ، ما الأمر كما قلتم ، بل أنتم في عزة وشقاق . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : زعموا أن موضع القسم في قوله : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ وقال بعض نحويي الكوفة : قد زعم قوم أن جواب وَالْقُرْآنِ قوله : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ قال : وذلك كلام قد تأخر عن قوله : وَالْقُرْآنِ تأخرا شديدا ، وجرت بينهما قصص ، مختلفة ، فلا نجد ذلك مستقيما في العربية ، والله أعلم . قال : ويقال : إن قوله : وَالْقُرْآنِ يمين اعترض كلام دون موقع جوابها ، فصار جوابها للمعترض ولليمين ، فكأنه أراد : والقرآن ذي الذكر ، لكم أهلكنا ، فلما اعترض قوله بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ صارت كم جوابا للعزة واليمين . قال : ومثله قوله : وَالشَّمْسِ وَضُحاها اعترض دون الجواب قوله : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فصارت قد أفلح تابعة لقوله : فألهمها ، وكفى من جواب القسم ، فكأنه قال : والشمس وضحاها لقد أفلح . والصواب من القول في ذلك عندي ، القول الذي قاله قتادة ، وأن قوله : بَلِ لما دلت على التكذيب وحلت محل الجواب استغني بها من الجواب ، إذ عرف المعنى ، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ما الأمر ، كما يقول هؤلاء الكافرون : بل هم في عزة وشقاق . وقوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ يقول تعالى ذكره : بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة ، وفراق لمحمد وعداوة ، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم ، بأنه ليس بساحر ولا كذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ قال : معازين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ أي في حميه وفراق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ قال : يعادون أمر الله ورسله وكتابه ، ويشاقون ، ذلك عزة وشقاق ، فقلت له : الشقاق : الخلاف ، فقال : نعم القول في تأويل قوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يقول تعالى ذكره : كثيرا أهلكنا من قبل هؤلاء المشركين من قريش الذين كذبوا رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عندنا من الحق مِنْ قَرْنٍ يعني : من الأمم الذين كانوا قبلهم ، فسلكوا سبيلهم في تكذيب رسلهم فيما أتوهم به من عند الله فَنادَوْا يقول : فعجوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه ، حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارا من عقابه ، وهربا من أليم عذابه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يقول : وليس ذلك حين فرار ولاهرب من العذاب بالتوبة ، وقد حقت كلمة العذاب عليهم ، وتابوا حين لا تنفعهم التوبة ، واستقالوا في غير وقت الإقالة . وقوله : مَناصٍ مفعل من النوص ، والنوص في كلام العرب : التأخر ، والمناص : المفر ؛ ومنه قول امرئ القيس : أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص * فتقصر عنها خطوة وتبوص