محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال : مسلمني ، وليس ذلك وجه الكلام ، بل وجه الكلام أمسلمي ؛ فأما إذا كان الكلام ظاهرا ولم يكن متصلا بالفاعل ، فإنهم ربما أضافوا ، وربما لم يضيفوا ، فيقال : هذا مكلم أخاك ، ومكلم أخيك ، وهذان مكلما أخيك ، ومكلمان أخاك ، وهؤلاء مكلمو أخيك ، ومكلمون أخاك ؛ وإنما تختار الإضافة في المكني المتصل بفاعل لمصير الحرفين باتصال أحدهما بصاحبه ، كالحرف الواحد . وقوله : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ يقول : فلما رأى قرينه في النار قال : تالله إن كدت في الدنيا لتهلكني بصدك إياي عن الإيمان بالبعث والثواب والعقاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ قال : لتهلكني ، يقال منه : أردي فلان فلانا : إذا أهلكه ، وردي فلان : إذا هلك ، كما قال الأعشى : أفي الطوف خفت علي الردي * وكم من رد أهله لم يرم يعني بقوله " وكم من رد " : وكم من ها لك . وقوله : وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ يقول : ولولا أن الله أنعم علي بهدايته ، والتوفيق للإيمان بالبعث بعد الموت ، لكنت من المحضرين معك في عذاب الله ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي في عذاب الله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ قال : من المعذبين . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . . . الْأُولى . . . الْعامِلُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن الذي أعطاه الله ما أعطاه من كرامته في جنته سرورا منه بما أعطاه فيها أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى يقول : أفما نحن بميتين غير موتتنا الأولى في الدنيا . وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ يقول : وما نحن بمعذبين بعد دخولنا الجنة . إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول : إن هذا الذي أعطاناه الله من الكرامة في الجنة ، أنا لا نعذب ولا نموت ، لهو النجاء العظيم مما كنا في الدنيا نحذر من عقاب الله ، وإدراك ما كنا فيها ، نؤمل بإيماننا ، وطاعتنا ربنا ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة ، قوله : أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلى قوله : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قال : هذا قول أهل الجنة . وقوله : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ يقول تعالى ذكره : لمثل هذا الذي أعطيت هؤلاء المؤمنين من الكرامة في الآخرة ، فليعمل في الدنيا لأنفسهم العاملون ، ليدركوا ما أدرك هؤلاء بطاعة ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . . . كَأَنَّهُ رُؤُسُ . . . الْبُطُونَ يقول تعالى ذكره : أهذا الذي أعطيت هؤلاء المؤمنين الذين وصفت صفتهم من كرامتي في الجنة ، ورزقتهم فيها من النعيم خير ، أو ما أعددت لأهل النار من الزقوم . وعني بالنزل : الفضل ، وفيه لغتان : نزل ونزل ؛ يقال للطعام الذي له ريع : هو طعام له نزل ونزل . وقوله : أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ذكر أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية قال المشركون : كيف ينبت الشجر في النار ، والنار تحرق الشجر ؟ فقال الله : إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ يعني لهؤلاء المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا ، ثم أخبرهم بصفة هذه الشجرة فقال إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ،