محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

واستغني بذكر المشارق من ذكرها ، إذ كان معلوما أن معها المغارب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ وقع القسم على هذا إن إلهكم لواحد رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ قال : مشارق الشمس في الشتاء والصيف . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : رَبُّ الْمَشارِقِ قال : المشارق ستون وثلاث مئة مشرق ، والمغارب مثلها ، عدد أيام السنة وقوله : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ اختلفت القراء في قراءة قوله : بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة : " بزينة الكواكب " بإضافة الزينة إلى الكواكب ، وخفض الكواكب إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا التي تليكم أيها الناس وهي الدنيا إليكم بتزيينها الكواكب : أي بأن زينتها الكواكب . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة : بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بتنوين زينة ، وخفض الكواكب ردا لها على الزينة ، بمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بزينة هي الكواكب ، كأنه قال : زيناها بالكواكب . وروي عن بعض قراء الكوفة أنه كان ينون الزينة وينصب الكواكب ، بمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بتزييننا الكواكب . ولو كانت القراءة في الكواكب جاءت رفعا إذا نونت الزينة ، لم يكن لحنا ، وكان صوابا في العربية ، وكان معناه : إنا زينا السماء الدنيا بتزيينها الكواكب : أي بأن زينتها الكواكب وذلك أن الزينة مصدر ، فجائز توجيهها إلى أي هذه الوجوه التي وصفت في العربية . وأما القراءة فأعجبها إلي بإضافة الزينة إلى الكواكب وخفض الكواكب لصحة معنى ذلك في التأويل والعربية ، وأنها قراءة أكثر قراء الأمصار ، وإن كان التنوين في الزينة وخفض الكواكب عندي صحيحا أيضا . فأما النصب في الكواكب والرفع ، فلا أستجيز القراءة بهما ، لإجماع الحجة من القراء على خلافهما ، وإن كان لهما في الإعراب والمعنى وجه صحيح . وقد اختلف أهل العربية في تأويل ذلك إذا أضيفت الزينة إلى الكواكب ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : إذا قريء ذلك كذلك ، فليس يعني بعضها ، ولكن زينتها حسنها ؛ وكان غيره يقول : معنى ذلك إذا قريء كذلك : إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب . وقد بينا الصواب في ذلك عندنا . وقوله : وَحِفْظاً يقول تعالى ذكره : وَحِفْظاً للسماء الدنيا زيناها بزينة الكواكب . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله : وَحِفْظاً فقال بعض نحويي البصرة : قال وحفظا ، لأنه بدل من اللفظ بالفعل ، كأنه قال ، وحفظناها حفظا . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هو من صلة التزيين أنا زينا السماء الدنيا حفظا لها ، فأدخل الواو على التكرير : أي وزيناها حفظا لها ، فجعله من التزيين ؛ وقد بينا القول فيه عندنا . وتأويل الكلام : وحفظا لها من كل شيطان عات خبيث زيناها ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَحِفْظاً يقول : جعلتها حفظا من كل ، شيطان مارد . وقوله : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى اختلفت القراء في قراءة قوله : لا يَسَّمَّعُونَ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض الكوفيين : " ولا يسمعون " بتخفيف السين من يسمعون ، بمعنى أنهم يتسمعون ولا يسمعون . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين بعد لا يَسَّمَّعُونَ بمعنى : لا يتسمعون ، ثم أدغموا التاء في السين فشددوها . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف ، لأن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ، أن الشياطين