محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
جفني العين غر ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين ، كما تطمس الريح الأثر ، يقال : أعمى مطموس وطميس . وقوله : فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ يقول : فابتدروا الطريق ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ قال الطريق حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي الطريق حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ قال : الصراط ، الطريق وقوله : فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يقول : فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق ، وقد طمسنا على أعينهم ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وقد طمسنا على أعينهم وقال الذين وجهوا تأويل قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ إلى أنه معني به العمى عن الهدى ، تأويل قوله : فَأَنَّى يُبْصِرُونَ فأنى يهتدون للحق . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يقول : فكيف يهتدون حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يقول : لا يبصرون الحق وقوله : وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ يقول تعالى ذكره : ولو نشاء لأقعدنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ يقول : فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ، ولا أن يرجعوا وراءهم . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ قال : لو نشاء لأقعدناهم حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، ثنا سعيد عن قتادة وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ أي لأقعدناهم على أرجلهم فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولو نشاء لأهلكناهم في منازلهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ يقول : ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم والمكانة والمكان بمعنى واحد . وقد بينا ذلك فيما مضى قبل القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ . . . . وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ فنمد له في العمر نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ يقول : نرده إلى مثل حاله في الصبا من الهرم والكبر ، وذلك هو النكس في الخلق ، فيصير لا يعلم شيئا بعد العلم الذي كان يعلمه . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ يقول : من نمد له في العمر ننكسه في الخلق ، لكيلا يعلم بعد علم شيئا ، يعني الهرم واختلفت القراء في قراءة قوله : نُنَكِّسْهُ فقرأه عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " ننكسه " بفتح النون الأولى وتسكين الثانية ، وقرأته عامة قراء الكوفة : نُنَكِّسْهُ بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الكاف . والصواب من القول في ذلك