محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
السلام . وقوله : مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يعني : رحيم بهم إذ لم يعاقبهم بما سلف لهم من جرم في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ . . . الشَّيْطانَ . . . مُسْتَقِيمٌ يعني بقوله : وَامْتازُوا تميزوا ؛ وهي افتعلوا ، من ماز يميز ، فعل يفعل منه : امتاز يمتاز امتيازا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ قال : عزلوا عن كل خير حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن إسماعيل بن رافع ، عمن حدثه ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ، ثم يقول : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ الآية ، إلى قوله : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فيتميز الناس ويجثون ، وهي قول الله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ فتأويل الكلام إذن : وتميزوا من المؤمنين اليوم أيها الكافرون بالله ، فإنكم واردون غير موردهم ، داخلون غير مدخلهم . وقوله : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وفي الكلام متروك استغني بدلالة الكلام عليه منه ، وهو : ثم يقال : ألم أعهد إليكم يا بني آدم ، يقول : ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يقول : وأقول لكم : إن الشيطان لكم عدو مبين ، قد أبان لكم عداوته بامتناعه من السجود ، لأبيكم آدم ، حسدا منه له ، على ما كان الله أعطاه من الكرامة ، وغروره إياه ، حتى أخرجه وزوجته من الجنة . وقوله : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يقول : وألم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد ، وإياي فأطيعوا ، فإن إخلاص عبادتي ، وإفراد طاعتي ، ومعصية الشيطان ، هو الدين الصحيح ، والطريق المستقيم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذِهِ جَهَنَّمُ . . . تَكْفُرُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً ولقد صد الشيطان منكم خلقا كثيرا عن طاعتي ، وإفرادي بالألوهة حتى عبدوه ، واتخذوا من دوني آلهة يعبدونها ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا قال : خلقا واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين جِبِلًّا بكسر الجيم وتشديد اللام ، وكان بعض المكيين وعامة قراء الكوفة يقرؤونه : " جبلا " بضم الجيم والباء وتخفيف اللام . وكان بعض قراء البصرة يقرؤه : " جبلا " بضم الجيم وتسكين الباء ، وكل هذه لغات معروفات ، غير أني لا أحب القراءة في ذلك إلا بإحدى القراءتين اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام ، والأخرى : ضم الجيم والباء وتخفيف اللام ، لأن ذلك هو القراءة التي عليها عامة قراء الأمصار . وقوله : أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ يقول : أفلم تكونوا تعقلون أيها المشركون ، إذ أطعتم الشيطان في عبادة غير الله ، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله ، وتعبدوا غير الله . وقوله : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ يقول : هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله ، وتكذيبكم رسله ، فكنتم بها تكذبون . وقيل : إن جهنم أول باب من أبواب النار . وقوله : اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يقول : احترقوا بها اليوم وردوها ؛ يعني باليوم : يوم القيامة بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يقول : بما كنتم