محمد بن جرير الطبري

127

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أسباط ، عن السدي وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ قال : إن تطيعوا يرضه لكم . وقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يقول : لا تأثم آثمة إثم آثمة أخرى غيرها ، ولا تؤاخذ إلا بإثم نفسها ، يعلم عز وجل عباده أن على كل نفس ما جنت ، وأنها لا تؤاخذ بذنب غيرها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال : لا يؤخذ أحد بذنب أحد . وقوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسيئ ، وإيمان وكفر أيها الناس ، إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم ، فَيُنَبِّئُكُمْ يقول : فيخبركم بما كنتم في الدنيا تعملونه من خير وشر ، فيجازيكم على كل ذلك جزاءكم ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بما يستحقه ؛ يقول عز وجل لعباده : فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا ، فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم . وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : إن الله لا يخفى عليه ما أضمرته صدوركم أيها الناس مما لا تدركه أعينكم ، فكيف بما أدركته العيون ورأته الأبصار . وإنما يعني جل وعز بذلك الخبر عن أنه لا يخفى عليه شيء ، وأنه محص على عباده أعمالهم ، ليجازيهم بها كي يتقوه في سر أمورهم وعلانيتها . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ . . . مِنْ قَبْلُ . . . النَّارِ يقول تعالى ذكره : وإذا مس الإنسان بلاء في جسده من مرض ، أو عاهة ، أو شدة في معيشته ، وجهد وضيق دَعا رَبَّهُ يقول : استغاث بربه الذي خلقه من شدة ذلك ، ورغب إليه في كشف ما نزل به من شدة ذلك . وقوله : مُنِيباً إِلَيْهِ يقول : تائبا إليه مما كان من قبل ذلك عليه من الكفر به ، وإشراك الآلهة والأوثان به في عبادته ، راجعا إلى طاعته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ قال : الوجع والبلاء والشدة دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ قال : مستغيثا به . وقوله : ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ يقول تعالى ذكره : ثم إذا منحه ربه نعمة منه ، يعني عافية ، فكشف عنه ضره ، وأبدله بالسقم صحة ، وبالشدة رخاء . والعرب تقول لكل من أعطى غيره من مال أو غيره : قد خوله ؛ ومنه قول أبي النجم العجلي : أعطى فلم يبخل ولم يبخل * كوم الذرى من خول المخول وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال : سمعت أبا عمرو يقول في بيت زهير : هنا لك إن يستخولوا المال يخولوا * إن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا قال معمر : قال يونس : إنما سمعناه : هنا لك إن يستخبولوا المال يخبلوا قال : وهي بمعناها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ : إذا أصابته عافية أو خير . وقوله : نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ يقول : ترك دعاءه الذي كان يدعو إلى الله من قبل أن يكشف ما كان به من ضر وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً يعني : شركاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي نَسِيَ يقول : ترك ، هذا في الكافر خاصة . و " ما " التي في قوله : نَسِيَ ما كانَ وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى الذي ، ويكون معنى الكلام حينئذ : ترك الذي