محمد بن جرير الطبري
121
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني : ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ يقول : إلا تذكير من الله لِلْعالَمِينَ من الجن والإنس ، ذكرهم ربهم إرادة استنقاذ من آمن به منهم من الهلكة . وقوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ يقول : ولتعلمن أيها المشركون بالله من قريش نبأه ، يعني : نبأ هذا القرآن ، وهو خبره ، يعني حقيقة ما فيه من الوعد والوعيد بعد حين . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ قال : صدق هذا الحديث نبأ ما كذبوا به ، قيل : نَبَأَهُ حقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي . ثم اختلفوا في مدة الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع : ما هي ، وما نهايتها ؟ فقال بعضهم : نهايتها الموت . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ أي بعد الموت ؛ وقال الحسن : يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين . وقال بعضهم : كانت نهايتها إلى يوم بدر . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال : يوم بدر . وقال بعضهم : يوم القيامة . وقال بعضهم : نهايتها القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال : يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة . وقرأ : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال : وهذا أيضا الآخرة يستقر فيها الحق ، ويبطل الباطل . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحد ، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته ، ووضوح صحته في الدنيا ، ومنهم من علم حقيقة ذلك بهلاكه ببدر ، وقبل ذلك ، ولا حد عند العرب للحين ، لا يجاوز ولا يقصر عنه . فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت . وبنجو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ابن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا أيوب ، قال : قال عكرمة : سئلت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين ، فقلت : إن من الحين حينا لا يدرك ، ومن الحين حين يدرك ، فالحين الذي لا يدرك قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ والحين الذي يدرك قوله : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وذلك من حين تصرم النخلة إلى حين تطلع ، وذلك ستة أشهر . آخر تفسير سورة ص [ تفسير سورة الزمر ] القول في تأويل قوله تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . . . الْكِتابِ . . . نَعْبُدُهُمْ يقول تعالى ذكره : تَنْزِيلُ الْكِتابِ الذي نزلناه عليك يا محمد مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في انتقامه من أعدائه الْحَكِيمِ في تدبيره خلقه ، لا من غيره ، فلا