محمد بن جرير الطبري
110
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
العقول . فإن قال لنا قائل : وما الأيدي من القوة ، والأيدي إنما هي جمع يد ، واليد جارحة ، وما العقول من الأبصار ، وإنما الأبصار جمع بصر ؟ قيل : إن ذلك مثل ، وذلك أن باليد البطش ، وبالبطش تعرف قوة القوي ، فلذلك قيل للقوي : ذو يد ؛ وأما البصر ، فإنه عنى به بصر القلب ، وبه تنال معرفة الأشياء ، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء : بصير به . وقد يمكن أن يكون عنى بقوله : أُولِي الْأَيْدِي أولي الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة ، فجعل الله أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا أيديا لهم عند الله تمثيلا لها باليد ، تكون عند الرجل الآخر . وقد ذكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه : " أولى الأيد " بغير ياء ، وقد يحتمل أن يكون ذلك من التأييد ، وأن يكون بمعنى الأيدي ، ولكنه أسقط منه الياء ، كما قيل : يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ وقوله عز وجل : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ يقول تعالى ذكره : إنا خصصناهم بخاصة : ذكر الدار . واختلف القراء في قراءة قوله : بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ فقرأته عامة قراء المدينة : " بخالصة ذكرى الدار " بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار ، بمعنى : أنهم أخلصوا بخالصة الذكرى ، والذكرى إذا قرئ كذلك غير الخالصة ، كما المتكبر إذا قرئ : " على كل قلب متكبر " بإضافة القلب إلى المتكبر ، هو الذي له القلب وليس بالقلب . وقرأ ذلك عامة قراء العراق : بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ بتنوين قوله : بِخالِصَةٍ ورد ذكرى عليها ، على أن الدار هي الخالصة ، فردوا الذكر وهي معرفة على خالصة ، وهي نكرة ، كما قيل : لشر مآب : جهنم ، فرد جهنم وهي معرفة على المآب وهي نكرة . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأه الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقد اختلف أهل التأويل ، في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار : أي أنهم كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة ، ويدعونهم إلى طاعة الله ، والعمل للدار الآخرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ قال : بهذه أخلصهم الله ، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله . وقال آخرون : معنى ذلك أنه أخلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن الحسن الأزدي ، قال : ثنا يحي بن يمان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ قال : بذكر الآخرة فليس لهم هم غيرها . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ قال : بذكرهم الدار الآخرة ، وعملهم للآخرة . وقال آخرون : معنى ذلك : إنا أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة ؛ وهذا التأويل على قراءة من قرأه بالإضافة . وأما القولان الأولان فعلى تأويل قراءة من قرأه بالتنوين . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : " إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار " قال : بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به ، وأعطيناهم إياه ؛ قال : والدار : الجنة ، وقرأ : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ قال : الجنة ، وقرأ : وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ قال : هذا كله الجنة ، وقال : أخلصناهم بخير الآخرة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : خالصة عقبى الدار . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شريك ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ قال : عقبى الدار . وقال آخرون : بل معنى ذلك : بخالصة أهل الدار . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن ابن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، قال : ثني ابن أبي نجيح ، أنه سمع مجاهد أيقول : بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ