محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن رجل منهم يقال له : فروة بن مسيك ، قال : قلت : يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما كان ؟ رجلا كان أو امرأة ، أو جبلا ، أو دواب ؟ فقال : " لا ، كان رجلا من العرب وله عشرة أولاد ، فتيمن منهم ستة ، وتشاءم أربعة ، فأما الذين تيمنوا منهم فكندة ، وحمير ، والأزد ، والأشعريون ، ومذحج ، وأنمار الذين منها خثعم وبجيلة . وأما الذين تشاءموا : فعاملة ، وجذام ، ولخم ، وغسان " حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال : ثني الحسن بن الحكم ، قال : ثنا أبو سبرة النخعي ، عن فروة بن مسيك القطيعي ، قال : قال رجل : يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو ؟ أرض أو امرأة ؟ قال : : ليس بأرض ولا امرأة ، ولكنه رجل ولد عشرة من الولد ، فتيا من ستة ، وتشاءم أربعة ، فأما الذين تشاءموا : فلخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان ؛ وأما الذين تيامنوا : فكندة ، والأشعريون ، والأزد ، ومذحج ، وحمير ، وأنمار " ؛ فقال رجل : ما أنمار ؟ قال : " الذين منهم خثعم وبجيلة " حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا العنقزي ، قال : أخبرني أسباط بن نصر ، عن يحيى بن هانئ المرادي ، عن أبيه ، أو عن عمه " أسباط شك " قال : قدم فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أخبرني عن سبأ ، أجبلا كان أو أرضا ؟ فقال : " لم يكن جبلا ولا أرضا ، ولكنه كان رجلا من العرب ولد عشرة قبائل " ، ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال : " وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم " فإن كان الأمر كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أن سبأ رجل ، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين . أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف ، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض . وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء . واختلفت القراء في قراءة قوله : " في مساكنهم " فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " في مساكنهم " على الجماع بمعنى منازل آل سبأ . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين " في مسكنهم " على التوحيد وبكسر الكاف ، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي . وقرأ حمزة : مَسْكَنِهِمْ على التوحيد وفتح الكاف . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وقوله : آيَةٌ قد بينا معناها قبل . وأما قوله : جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ فإنه يعني : بستانان كانا بين جبلين ، عن يمين من أتاهما وشماله . وكان من صفتهما فيما ذكر لنا ما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا سليمان ، قال : ثنا أبو هلال ، قال : سمعت قتادة ، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ قال : كانت جنتان بين جبلين ، فكانت المرأة تخرج ، مكتلها على رأسها ، فتمشي بين جبلين ، فيمتلئ مكتلها ، وما مست بيدها ، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة ، يقال لها " جرذ " ، فنقبت عليهم ، فغرقتهم ، فما بقي لهم إلا أثل ، وشيء من سدر قليل . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ إلى قوله : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ قال : ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط ، ولا ذباب ، ولا برغوث ، ولا عقرب ، ولا حية ، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب ، فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم ، فتموت الدواب ، قال : وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين ، فيمسك القفة على رأسه ، فيخرج حين يخرج وقدر امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده ؛ قال : والسد يسقيها . ورفعت الجنتان في قوله : جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ترجمة عن الآية ، لأن معنى الكلام : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية هي جنتان عن أيمانهم وشمائلهم . وقوله : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ الذي يرزقكم من هاتين