محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَالْمُشْرِكاتِ هذان اللذان خاناها ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، هذان اللذان أدياها وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً . آخر سورة الأحزاب ، ولله الحمد والمنة . [ تفسير سورة سبأ ] القول في تأويل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يقول تعالى ذكره : الشكر الكامل ، والحمد التام كله ، للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السماوات السبع ، وما في الأرضين السبع دون كل ما يعبدونه ، ودون كل شيء سواه ، لا مالك لشيء من ذلك غيره ؛ فالمعنى : الذي هو مالك جميعه وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ يقول : وله الشكر الكامل في الآخرة ، كالذي هو له ذلك في الدنيا العاجلة ، لأن منه النعم كلها على كل من في السماوات والأرض في الدنيا ، ومنه يكون ذلك في الآخرة ، فالحمد لله خالصا دون ما سواه في عاجل الدنيا ، وآجل الآخرة ، لأن النعم كلها من قبله لا يشركه فيها أحد من دونه ، وهو الحكيم في تدبيره خلقه وصرفه إياهم في تقديره ، خبير بهم وبما يصلحهم ، وبما عملوا ، وما هم عاملون ، محيط بجميع ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ حكيم في أمره ، خبير بخلقه . القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها . . . الْغَفُورُ يقول تعالى ذكره : يعلم ما يدخل الأرض وما يغيب فيها من شيء ؛ من قولهم : ولجت في كذا : إذا دخلت فيه ، كما قال الشاعر : رأيت القوافي يتلجن موالجا * تضايق عنها أن تولجها الإبر يعني بقوله : " يلجن موالجا " : يدخلن مداخل وَما يَخْرُجُ مِنْها يقول : وما يخرج من الأرض وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها يعني : وما يصعد في السماء ؛ وذلك خبر من الله أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ، مما ظهر فيها وما بطن ، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ وهو الرحيم بأهل التوبة من عباده أن يعذبهم بعد توبتهم ، الغفور لذنوبهم إذا تابوا منها . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ . . . فِي السَّماواتِ . . . مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : ويستعجلك يا محمد الذين جحدوا قدرة الله على إعادة خلقه بعد فنائهم بهيئتهم التي كانوا بها من قبل فنائهم من قومك بقيام الساعة ، استهزاء بوعدك إياهم ، وتكذيبا لخبرك ، قل لهم : بلى تأتيكم وربي ، قسما به لتأتينكم الساعة ، ثم عاد جل جلاله بعد ذكره الساعة على نفسه ، وتمجيدها ، فقال : عالِمِ الْغَيْبِ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة : " عالم الغيب " على مثال فاعل ، بالرفع على الاستئناف ، إذ دخل بين قوله : وَرَبِّي ، وبين قوله : عالِمِ الْغَيْبِ كلام حائل بينه وبينه . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة والبصرة ، عالم على مثال فاعل ، غير أنهم خفضوا عالم ردا منهم له على قوله وَرَبِّي إذ كان من صفته . وقرأ ذلك بقية عامة