محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كان من القرار ، فإن الوجه أن يقال : اقررن ، لأن من قال من العرب : ظلت أفعل كذا ، وأحست بكذا ، فأسقط عين الفعل ، وحول حركتها إلى فائه في فعل وفعلنا وفعلتم ، لم يفعل ذلك في الأمر والنهي ، فلا يقول : ظل قائما ، ولا تظل قائما ، فليس الذي اعتل به من اعتل لصحة القراءة بفتح القاف في ذلك يقول العرب في ظللت وأحسست ظلت ، وأحست بعلة توجب صحته لما وصفت من العلة . وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعا منه : ينحطن من الجبل ، وهو يريد : ينحططن . فإن يكن ذلك صحيحا ، فهو أقرب إلى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الحجة الأخرى . وقوله : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قيل : إن التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي إذا خرجتن من بيوتكن ؛ قال : كانت لهن مشية وتكسر وتغنج ، يعني بذلك الجاهلية الأولى فنهاهن الله عن ذلك . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : سمعت ابن أبي نجيح ، يقول في قوله : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال : التبختر . وقيل : إن التبرج هو إظهار الزينة ، وإبراز المرأة محاسنها للرجال . وأما قوله : تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فإن أهل التأويل اختلفوا في الجاهلية الأولى ، فقال بعضهم : ذلك ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن زكريا ، عن عامر وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال : الجاهلية الأولى : ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام . وقال آخرون : ذلك ما بين آدم ونوح . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن أبيه عيينة ، عن الحكم وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال : وكان بين آدم ونوح ثمان مائة سنة ، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ، ورجالهم حسان ، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه ، فأنزلت هذه الآية : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى . وقال آخرون : بل ذلك بين نوح وإدريس . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن زهير ، قال : ثنا موسى بن إسماعيل ، قال : ثنا داود ، يعني ابن أبي الفرات ، قال : ثنا علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : تلا هذه الآية : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال : كان فيما بين نوح وإدريس ، وكانت ألف سنة ؛ وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل ، والآخر يسكن الجبل ، وكان رجال الجبل صباحا ، وفي النساء دمامة ، وكان نساء السهل صباحا ، وفي الرجال دمامة ، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام ، فأجر نفسه منه ، وكان يخدمه ، واتخذ إبليس شيئا مثل ذلك الذي يزمر فيه الرعاء ، فجاء فيه بصوت لم يسمع مثله ، فبلغ ذلك من حولهم ، فانتابوهم يسمعون إليه ، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة ، فتتبرج الرجال للنساء . قال : ويتزين النساء للرجال ، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك ، فرأى النساء ، فأتي أصحابه فأخبرهم بذلك ، فتحولوا إليهن ، فنزلوا معهن ، فظهرت الفاحشة فيهن ، فهو قول الله : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى ، فيكون معنى ذلك : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى التي قبل الإسلام . فإن قال قائل : أو في الإسلام جاهلية حتى يقال : عنى بقوله الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى التي قبل الإسلام ؟ قيل : فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى