محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم ، فلم تطقها ، فقال لآدم : يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، فلم تطقها ، فهل أنت آخذها بما فيها ؟ فقال : يا رب : وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فأخذها آدم فتحملها ، فذلك قوله : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ، عن رجل ، عن الضحاك بن مزاحم ، في قوله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا قال آدم : قيل له : خذها بحقها ، قال : وما حقها ؟ قيل : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فما لبث ما بين الظهر والعصر حتى أخرج منها . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فلم يطقن حملها ، فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها قال آدم : وما فيها يا رب ؟ قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فقال : تحملتها ، فقال الله تبارك وتعالى : قد حملتكها ؛ فما مكث آدم إلا مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتى أخرجه إبليس لعنه الله من الجنة ؛ والأمانة : الطاعة . حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية ، قال : ثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمرو ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء ، فأرسلوا به ، فمنهم رسول الله ، ومنهم نبي ، ومنهم نبي رسول . نزل القرآن وهو كلام الله ، ونزلت العربية والعجمية ، فعلموا أمر القرآن ، وعلموا أمر السنن بألسنتهم ، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون ، وهي الحجج عليهم ، إلا بينة لهم ، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح . ثم الأمانة أول شيء يرفع ، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس ، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم ، وتبقى الكتب ، فعالم يعمل ، وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إلي وإلى أمتي ، فلا يهلك على الله إلا ها لك ، ولا يغفله إلا تارك ، والحذر أيها الناس ، وإياكم والوسواس الخناس ، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا " . حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي ، قال : ثنا العوام العطار ، قال : ثنا قتادة ، وأبان بن أبي عياش ، عن خليد العصري ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة : من حافظ على الصلوات الخمس ، على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن ، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها " وكان يقول : " وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن ، وصام رمضان ، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا ، وأدى الأمانة " قالوا : يا أبا الدرداء : وما الأمانة ؟ قال : الغسل من الجنابة ، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن أبي بن كعب ، قال : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها قال : إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ، ويجعل لهن ثوابا وعقابا ، ويستأمنهن على الدين ، فقلن : لا ، نحن مسخرات لأمرك ، لا نريد ثوابا ولا عقابا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وعرضها الله على آدم ، فقال : بين أذني وعاتقي " ؛ قال ابن زيد ، فقال الله له : أما إذ تحملت