محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن سعيد ، قال : قال بنو إسرائيل : إن موسى آدر ؛ وقالت طائفة : هو أبرص من شدة تستره ، وكان يأتي كل يوم عينا ، فيغتسل ويضع ثيابه على صخرة عندها ، فعدت الصخرة بثيابه حتى انتهت إلى مجلس بني إسرائيل ، وجاء موسى يطلبها ؛ فلما رأوه عريانا ليس به شيء مما قالوا ، لبس ثيابه ثم أقبل على الصخرة يضربها بعصاه ، فأثرت العصا في الصخرة . حدثنا بحر بن حبيب بن عربي ، قال : ثنا روح بن عبادة ، قال : ثنا عوف ، عن محمد ، عن أبي هريرة في هذه الآية لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا الآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا ، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بنو إسرائيل ، وقالوا : ما تستر هذا التستر إلا من عيب في جلده ، إما برص ، وإما أدرة ، وإما آفة ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا ، وإن موسى خلا يوما وحده ، فوضع ثيابه على حجر ، ثم اغتسل ؛ فلما فرغ من غسله أقبل على ثوبه ليأخذه ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصا وطلب الحرج ، وجعل يقول : ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا كأحسن الناس خلقا ، وبرأه الله مما قالوا ، وإن الحجر قام ، فأخذ ثوبه ولبسه ، فطفق بالحجر ضربا بذلك ، فوالله إن في الحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا " . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان موسى رجلا حييا ستيرا " ثم ذكر نحوا منه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : حدث الحسن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة ، وكان نبي الله موسى حييا ، فكان يتستر إذا اغتسل ، فطعنوا فيه بعورة ، قال : فبينا نبي الله يغتسل يوما ، إذ وضع ثيابه على صخرة ، فانطلقت الصخرة واتبعها نبي الله ضربا بعصاه : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر ، حتى انتهت إلى ملإ من بني إسرائيل ، أو توسطهم ، فقامت ، فأخذ نبي الله ثيابه ، فنظروا إلى أحسن الناس خلقا ، وأعدله مروءة ، فقال الملأ : قاتل الله أفاكي بني إسرائيل ، فكانت براءته التي برأه الله منها " . وقال آخرون : بل كان أذاهم إياه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن مسلم الطوسي ، قال : ثنا عباد ، قال : ثنا سفيان بن حبيب ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، في قول الله : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى الآية ، قال : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، فقالت بنو إسرائيل : أنت قتلته ، وكان أشد حبا لنا منك ، وألين لنا منك ، فآذوه بذلك ، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل ، وتكلمت الملائكة بموته ، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات ، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه ، فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله إلا الرخم ، فجعله الله أصم أبكم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به ، فبرأه الله مما آذوه به . وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم إنه أبرص ، وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون . وجائز أن يكون كل ذلك ، لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به ، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى ، فبرأه الله مما قالوا . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ،