محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عمن حدثه ، عن أبي صالح ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل ، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن ، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل ، فأنزل الله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الستر يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة . وقوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ يقول تعالى ذكره : إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به ، ويعلموا أنهن لسن بإماء ، فيتنكبوا عن أذاهن بقول مكروه ، أو تعرض بريبة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف منهن من تركهن إدناءهن الجلابيب عليهن رَحِيماً بهن أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن . القول في تأويل قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ . . . فِي الْمَدِينَةِ . . . تَقْتِيلًا يقول تعالى ذكره : لئن لم ينته أهل النفاق ، الذين يستسرون الكفر ، ويظهرون الإيمان وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني : ريبة من شهوة الزنا وحب الفجور . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو بن علي ، قال : ثنا أبو عبد الصمد ، قال : ثنا مالك بن دينار ، عن عكرمة ، في قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : هم الزناة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : شهوة الزنا . حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا أبو صالح التمار ، قال : سمعت عكرمة في قوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : شهوة الزنا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة عمن حدثه ، عن أبي صالح وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : الزناة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية ، قال : هؤلاء صنف من المنافقين وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أصحاب الزنا ، قال : أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا . وقرأ : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قال : والمنافقون أصناف عشرة في براءة ، قال : فالذين في قلوبهم مرض صنف منهم مرض من أمر النساء . وقوله : وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يقول : وأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل . وكان إرجافهم فيما ذكر كالذي : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ الآية ، الإرجاف : الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق ، وكانوا يقولون : أتاكم عدد وعدة . وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق ، فأوعدهم الله بهذه الآية ، قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية ؛ فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ هم أهل النفاق أيضا الذين يرجفون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين . وقوله : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ يقول : لنسلطنك عليهم ولنحرشنك بهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ يقول : لنسلطنك عليهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنحملنك عليهم لنحرشنك بهم . قوله : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا يقول : ثم لننفينهم عن مدينتك فلا يسكنون معك فيها إلا قليلا من المدة