محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عمن ذكره ، عن أبي صالح لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ نكاح النبي قال : أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ، ويتزوج بعد من نساء تهامة ، ومن شاء من بنات العم والعمة ، والخال والخالة إن شاء ثلاث مئة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ نكاح النبي هؤلاء التي سمى الله إلا بَناتِ عَمِّكَ الآية . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ نكاح النبي يعني : من بعد التسمية ، يقول : لا يحل لك امرأة إلا ابنة عم أو ابنة عمة ، أو ابنة خال أو ابنة خالة ، أو امرأة وهبت نفسها لك ، من كان منهن هاجر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم . وفي حرف ابن مسعود : " واللاتي هاجرن معك " يعني بذلك : كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة ، ولا من بنات الخال والخالة . وقال آخرون : نكاح النبي بل معنى ذلك : لا يحل لك النساء من غير المسلمات ؛ فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ نكاح النبي لا يهودية ، ولا نصرانية ، ولا كافرة . وأولى الأقوال عندي بالصحة قول من قال : معنى ذلك : لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلى قوله : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ نكاح النبي . وإنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ عقيب قوله : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وغير جائز أن يقول : قد أحللت لك هؤلاء ، ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه ، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين ، فعل الأخرى منهما . فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى ، ولا تقدم تنزيل إحداهما قبل صاحبتها ، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة ، لم يجز أن يقال : إحداهما ناسخة الأخرى . وإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن لقول من قال : معنى ذلك : لا يحل من بعد المسلمات يهودية ولا نصرانية ولا كافرة ، معنى مفهوم ، إذ كان قوله مِنْ بَعْدُ إنما معناه : من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية ، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر إباحة المسلمات كلهن ، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه ، وبنات عمه وبنات عماته ، وبنات خاله وبنات خالاته ، اللاتي هاجرن معه ، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ، فتكون الكوافر مخصوصات بالتحريم ، صح ما قلنا في ذلك ، دون قول من خالف قولنا فيه . واختلفت القراء في قراءة قوله لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة يَحِلُّ بالياء ، بمعنى : لا يحل لك شيء من النساء بعد . وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة : ولا تحل لك النساء " بالتاء ، توجيها منه إلى أنه فعل للنساء ، والنساء جمع للكثير منهن . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بالياء للعلة التي ذكرت لهم ، ولإجماع الحجة من القراء على القراءة بها ، وشذوذ من خالفهم في ذلك . وقوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : لا يحل لك النساء من بعد المسلمات ، لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة ، ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من الكوافر نكاح النبي . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال :