محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : لم يكن الله تعالى ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله بمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله في أنه لم يؤثمهم بما أحل لهم ، لم يكن لنبيه أن يخشى الناس فيما أمره به أو أحله له . ونصب قوله : سُنَّةَ اللَّهِ على معنى : حقا من الله ، كأنه قال : فعلنا ذلك سنة منا . وقوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً يقول : وكان أمر الله قضاء مقضيا . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً إن الله كان علمه معه قبل أن يخلق الأشياء كلها ، فأتمر في علمه أن يخلق خلقا ، ويأمرهم وينهاهم ، ويجعل ثوابا لأهل طاعته ، وعقابا لأهل معصيته ؛ فلما ائتمر ذلك الأمر قدره ، فلما قدره كتب وغاب عليه ، فسماه الغيب وأم الكتاب ، وخلق الخلق على ذلك الكتاب أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم ، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة من الكتاب الذي كتبه أنه يصيبهم ؛ وقرأ : أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إذا نفد ذلك جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ وأمر الله الذي ائتمر قدره حين قدره مقدرا ، فلا يكون إلا ما في ذلك ، وما في ذلك الكتاب ، وفي ذلك التقدير ، ائتمر أمرا ثم قدره ، ثم خلق عليه ، فقال : كان أمر الله الذي مضى وفرغ منه ، وخلق عليه الخلق قَدَراً مَقْدُوراً شاء أمرا ليمضي به أمره وقدره ، وشاء أمرا يرضاه من عباده في طاعته ؛ فلما أن كان الذي شاء من طاعته لعباده رضيه لهم ، ولما أن كان الذي شاء أراد أن ينفذ فيه أمره وتدبيره وقدره ، وقرأ : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فشاء أن يكون هؤلاء من أهل النار ، وشاء أن تكون أعمالهم أعمال أهل النار ، فقال : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ وقال : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ هذه أعمال أهل النار وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ قال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ إلى قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ وقرأ : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إلى كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن يؤمنوا بذلك ، قال : فأخرجوه من اسمه الذي تسمى به ، قال : هو الفعال لما يريد ، فزعموا أنه ما أراد . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يقول تعالى ذكره : سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل ، الذي يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه ، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلك إياهم ، ولا يخافون أحدا إلا الله ، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من أرسلوا إليه . يقول لنبيه محمد : فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم ، فكن ولا تخش أحدا إلا الله ، فإن الله يمنعك من جميع خلقه ، ولا يمنعك أحد من خلقه منه ، إن أراد بك سوءا . " والذين " من قوله : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ خفض ردا على " الذين " التي في قوله : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا . وقوله : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يقول تعالى ذكره : وكفاك يا محمد بالله حافظا لأعمال خلقه ، ومحاسبا لهم عليها . القول في تأويل قوله تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً يقول تعالى ذكره : ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة ، ولا أبا أحد من رجالكم ، الذين لم يلده محمد ، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها ، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين ، الذي ختم النبوة فطبع عليها ، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة ، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ