محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول تعالى ذكره : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السماوات والأرض فسواهن ، وسخر الشمس والقمر لعباده ، يجريان دائبين لمصالح خلق الله ، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول جل ثناؤه : فأنى يصرفون عمن صنع ذلك ، فيعدلون عن إخلاص العبادة له . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي يعدلون . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : الله يوسع من رزقه لمن يشاء من خلقه ، ويضيق فيقتر لمن يشاء منهم . يقول : فأرزاقكم وقسمتها بينكم أيها الناس بيدي دون كل أحد سواي ؛ أبسط لمن شئت منها ، وأقتر على من شئت ، فلا يخلفنكم عن الهجرة وجهاد عدوكم خوف العيلة إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول : إن الله عليم بمصالحكم ، ومن لا يصلح له إلا البسط في الرزق ، ومن لا يصلح له إلا التقتير عليه ، وهو عالم بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من نزل من السماء ماء ، وهو المطر الذي ينزله الله من السحاب فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ يقول : فأحيا بالماء الذي نزل من السماء الأرض ، وإحياؤها : إنباته النبات فيها مِنْ بَعْدِ مَوْتِها من بعد جدوبها وقحوطها . وقوله : لَيَقُولُنَّ اللَّهُ يقول : ليقولن الذي فعل ذلك الله الذي له عبادة كل شيء . وقوله : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يقول : وإذا قالوا ذلك ، فقل الحمد لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يقول : بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم ، وما فيه الضر ، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الآلهة دون الله ، ينالون بها عند الله زلفة وقربة ، ولا يعلمون أنهم بذلك هالكون مستوجبون الخلود في النار . القول في تأويل قوله تعالى : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا التي يتمتع منها هؤلاء المشركون إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ يقول : إلا تعليل النفوس بما تلتذ به ، ثم هو منقض عن قريب ، لا بقاء له ولا دوام وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يقول : وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ حياة لا موت فيها . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قالا : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد ، قوله لَهِيَ الْحَيَوانُ قال : لا موت فيها . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يقول : باقية . وقوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يقول : لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ذلك كذلك ، لقصروا عن تكذيبهم بالله ، وإشراكهم غيره في عبادته ، ولكنهم لا يعلمون ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر ، فخافوا الغرق والهلاك فيه دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول : أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد ، وأفردوا له الطاعة ، وأذعنوا له بالعبودة ، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ، ولكن بالله الذي خلقهم فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يقول : فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلمهم ، فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكا