محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأعرج ، عن ابن عباس ، في قوله مِنْ سُلالَةٍ قال : صفو الماء . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مِنْ ماءٍ مَهِينٍ قال : ضعيف نطفة الرجل ، ومهين : فعيل من قول القائل : مهن فلان ، وذلك إذا زل وضعف . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ يقول تعالى ذكره : ثم سوى الإنسان الذي بدأ خلقه من طين خلقا سويا معتدلا ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ فصار حيا ناطقا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ يقول : وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات ، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة ، تعقلون بها الخير من السوء ، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك . وقوله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ يقول : وأنتم تشكرون قليلا من الشكر ربكم على ما أنعم عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ يقول تعالى ذكره : وقال المشركون بالله ، المكذبون بالبعث : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان : ضللنا ، وضللنا ، بفتح اللام وكسرها والقراءة على فتحها ، وهي الجوداء ، وبها نقرا . وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ : " أئذا صللنا " بالصاد ، بمعنى : أنتنا ، من قولنا : صل اللحم وأصل : إذا أنتن . وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي إذا هلكت أجسادنا في الأرض ، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب ، فإنه قد ضل فيه ، تقول العرب : قد ضل الماء في اللبن : إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه ومنه قول الأخطل لجرير : كنت القذى في موج أكدر مزبد * قذف الأتي به فضل ضلالا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ يقول : أئذا هلكنا . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ هلكنا . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد : قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ يقول : أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا ؟ يكفرون بالبعث . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قال : قالوا : أئذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ . وقوله : بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء ، بل هم بلقاء ربهم كافرون ، حذرا لعقابه ، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه ، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله : يتوفاكم ملك الموت ، يقول : يستوفي عددكم بقبض أرواحكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم ؛ ومنه قول الراجز : إن بني الأدرم ليسوا من أحد * ولا توفاهم قريش في العدد ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ يقول : من بعد قبض ملك الموت أرواحكم إلى ربكم يوم القيامة تردون أحياء كهيئتكم قبل وفاتكم ، فيجازى المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته . حثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ،