محمد بن جرير الطبري

59

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن سماك ، عن عكرمة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال : ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة مما تعدون من أيام الآخر . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية : يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال : ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا ، ثم يعرج إليه ذلك التدبير الذي دبره . ذكر من قال ذلك : ذكر عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، أنه قال : يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى تمضي ألف سنة ، ثم يقضي أمر كل شيء ألفا ، ثم كذلك أبدا ، قال : يوم كان مقداره ، قال : اليوم أن يقال لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة ، كن فيكون ، ولكن سماه يوما . سماه كما بينا كل ذلك عن مجاهد ، قال : وقوله : إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال : هو هو سواء . وقال آخرون : بل معنى ذلك : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إلى الله في يوم كان مقداره ألف سنة ، مقدار العروج ألف سنة مما تعدون . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال بعض أهل العلم : مقدار ما بين الأرض حين يعرج إليه إلى أن يبلغ عروجه ألف سنة ، هذا مقدار ذلك المعراج في ذلك اليوم حين يعرج فيه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معناه : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه في يوم ، كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه ، ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم خمس مئة في النزول ، وخمس مئة في الصعود ، لأن ذلك أظهر معانيه ، وأشبهها بظاهر التنزيل . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . . . الْإِنْسانِ يقول تعالى ذكره : هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات ، هو عالم الغيب ، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس ، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور ، وتخفيه النفوس ، وما لم يكن بعد مما هو كائن ، وَالشَّهادَةِ يعني ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود الْعَزِيزُ يقول : الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره ، وكذب رسله الرَّحِيمُ بمن تاب من ضلالته ، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله ، والعمل بطاعته ، أن يعذبه بعد التوبة . وقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة : " أحسن كل شيء خلقه " بسكون اللام . وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين : أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بفتح اللام . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء صحيحتا المعنى ، وذلك أن الله أحكم خلقه ، وأحكم كل شيء خلقه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : أتقن كل شيء وأحكمه . ذكر من قال ذلك : حدثني العباس بن أبي طالب ، قال : ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب ، قال : ثنا شريك ، عن خصيف عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أما إن است القرد ليست بحسنة ، ولكن أحكم خلقها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو النضر ، قال : ثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقرؤها : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أما إن است القرد ليست بحسنة ، ولكنه أحكمها . حدثني