محمد بن جرير الطبري
57
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
[ تفسير سورة السجدة ] القول في تأويل قوله تعالى : ألم . . . أَمْ يَقُولُونَ . . . يَهْتَدُونَ قال أبو جعفر : فد مضى البيان عن تأويل قوله ألم بما فيه الكفاية وقوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ يقول تعالى ذكره : تنزيل الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، لا شك فيه مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : من رب الثقلين : الجن ، والإنس . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ لا شك فيه . وانما معنى الكلام : أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، لا شك فيه أنه من عند الله ، وليس بشعر ولا سجع كاهن ، ولا هو مما تخرصه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما كذب جل ثناؤه بذلك قول الذين قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وقول الذين قالوا : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يقول تعالى ذكره : يقول ، المشركون بالله : اختلق هذا الكتاب محمد من قبل نفسه ، وتكذبه ؛ و " أم " هذه تقرير ، وقد بينا في غير موضع من كتابنا ، أن العرب إذا اعترضت بالاستفهام في أضعاف كلام قد تقدم بعضه أن يستفهم بأم . وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك : ويقولون . وقال : أم بمعنى الواو ، بمعنى بل في مثل هذا الموضع ، ثم أكذبهم تعالى ذكره فقال : ما هو كما تزعمون وتقولون من أن محمدا افتراه ، بل هو الحق والصدق من عند ربك يا محمد ، أنزله إليك ، لتنذر قوما بأس الله وسطوته ، أن يحل بهم على كفرهم به ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يقول : لم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا محمد إليهم ، وهم قومه من قريش ، نذير ينذرهم بأس الله على كفرهم قبلك . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يقول : ليتبينوا سبيل الحق فيعرفوه ويؤمنوا به . وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ قال : كانوا أمة أمية ، لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ . . . مِنْ وَلِيٍّ يقول تعالى ذكره : المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له أيها الناس الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من خلق فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثم استوى على عرشه في اليوم السابع بعد خلقه السماوات والأرض وما بينهما . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ في اليوم السابع . يقول : ما لكم أيها الناس إله إلا من فعل هذا الفعل ، وخلق هذا الخلق العجيب في ستة أيام . وقوله : ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ يقول : ما لكم أيها الناس دونه ولي يلي أمركم وينصركم منه إن أراد بكم ضرا ، ولا شفيع يشفع لكم عنده إن هو عاقبكم على معصيتكم إياه ، يقول : فإياه فاتخذوا وليا ، وبه وبطاعته فاستعينوا على أموركم فإنه يمنعكم إذا أراد منعكم ممن أرادكم بسوء ، ولا يقدر أحد على دفعه عما أراد بكم هو ، لأنه لا يقهره قاهر ، ولا يغلبه غالب أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : أفلا تعتبرون وتتفكرون أيها الناس ، فتعلموا أنه ليس لكم دونه ولي ولا شفيع ، فتفردوا له الألوهة ، وتخلصوا له