محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الخبيثة التي عملوها في الدنيا ، ثم نجازيهم عليها جزاءهم . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول : إن الله ذو علم بما تكنه صدورهم من الكفر بالله ، وإيثار طاعة الشيطان . وقوله : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا يقول : نمهلهم في هذه الدنيا مهلا قليلا يتمتعون فيها ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ يقول : ثم نوردهم على كره منهم عذابا غليظا ، وذلك عذاب النار ، نعوذ بالله منها ، ومن عمل يقرب منها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ . . . لا يَعْلَمُونَ لِلَّهِ ما فِي . . . الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يقول تعالى ذكره : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ، فإذا قالوا ذلك ، فقل لهم : الحمد لله الذي خلق ذلك ، لا لمن لا يخلق شيئا وهم يخلقون . ثم قال تعالى ذكره : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يقول : بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد ، وأين موضع الشكر . وقوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : لله كل ما في السماوات والأرض من شيء ملكا كائنا ما كان ذلك الشيء من وثن وصنم وغير ذلك ، مما يعبد أو لا يعبد إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يقول : إن الله هو الغني عن عباده هؤلاء المشركين به الأوثان والأنداد ، وغير ذلك منهم ومن جميع خلقه ، لأنهم ملكه وله ، وبهم الحاجة إليه . الْحَمِيدُ يعني المحمود على نعمه التي أنعمها على خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ يقول : والبحر له مداد ، والهاء في قوله يَمُدُّهُ عائدة على البحر . وقوله مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه ، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام ويذلك المداد ، لتكسرت تلك الأقلام ، ولنفذ ذلك المداد ، ولم تنفد كلمات الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سألت الحسن عن هذه الآية وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ قال : لو جعل شجر الأرض أقلاما ، وجعل البحور مدادا ، وقال الله : إن من أمري كذا ، ومن أمري كذا ، لنفد ماء البحور ، وتكسرت الأقلام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم ، قال : ثنا عمرو ، في قوله وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ قال : لو بريت أقلاما والبحر مدادا ، فكتب بتلك الأقلام منه ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ولو مده سبعة أبحر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ قال : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، قال : لو كان شجر البر أقلاما ، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه . . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت من اليهود له . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : ثني رجل من أهل مكة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد أرأيت قوله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا إيانا تريد أم قومك ؟ فقال رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم : " كلا " ، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك : أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها في علم الله قليل وعندكم من ذلك ما يكفيكم " ، فأنزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ