محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ قال : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخط بيمينه ، ولا يقرأ كتابا ، فنزلت هذه الآية . وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ قالوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ إذن لقالوا : إنما هذا شيء تعلمه محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقا جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ قال قريش . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ فقال بعضهم : عنى به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : معنى الكلام : بل وجود أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ ، وأنه أمي ، آيات بينات في صدورهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثتي عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قال : كان الله تعالى أنزل شأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم ، وجعله لهم آية ، فقال لهم : إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا ، ولا يخطه بيمينه ، وهي الآيات البينات . حدثني عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ قال : كان نبي الله لا يكتب ولا يقرأ ، وكذلك جعل الله نعته في التوراة والإنجيل ، أنه نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وهي الآية البينة في صدور الذين أوتوا العلم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من أهل الكتاب صدقوا بمحمد ونعته ونبوته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ قال : أنزل الله شأن محمد في التوراة والإنجيل لأهل العلم ، بل هو آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم ، يقول : النبي صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : عنى بذلك القرآن ، وقالوا : معنى الكلام : بل هذا القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، قال : قال الحسن ، في قوله : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ، يعني المؤمنين . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عني بذلك : بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا ، ولا تخطه بيمينك ، آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب . وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن قوله : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بين خبرين من أخبار الله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو بأن يكون خبرا عنه أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل . وقوله : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره : ما يجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأدلته ، وينكر العلم الذي يعلم من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، ببعث محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ومبعثه إلا الظالمون ، يعني الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله عز وجل . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما