محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المال يكثر به ماله . وقال آخرون : ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأما لغيره فحلال الربا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي رواد ، عن الضحاك وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ هذا للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الربا الحلال . وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنه أظهر معانيه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة : لِيَرْبُوَا بفتح الياء من يربو ، بمعنى : وما آتيتم من ربا ليربو ذلك الربا في أموال الناس . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة : " لتربوا " بالتاء من تربوا وضمها ، بمعنى : وما آتيتم من ربا لتربوا أنتم في أموال الناس . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار مع تقارب معنييهما ، لأن أرباب المال إذا أربوا ربا المال ، وإذا ربا المال فبإرباء أربابه إياه ربا . فإذا كان ذلك كذلك ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب . وأما قوله : وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ فإن أهل التأويل قالوا في تأويله نحو الذي قلنا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ قال : هذا الذي يقبله الله ويضعفه لهم عشر أمثالها ، وأكثر من ذلك . حدثنا عن عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : قال ابن عباس ، قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ قال : هي الهبة ، يهب الشيء يريد أن يثاب عليه أفضل منه ، فذلك الذي لا يربو عند الله ، لا يؤجر فيه صاحبه ، ولا إثم عليه وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ قال : هي الصدقة تريدون وجه الله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ قال معمر ، قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . . . مَنْ يَفْعَلُ يقول تعالى ذكره للمشركين به ، معرفهم قبح فعلهم ، وخبث صنيعهم : الله أيها القوم الذي لا تصلع العبادة إلا له ، ولا ينبغي أن تكون لغيره ، هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا ، ثم رزقكم وخولكم ، ولم تكونوا تملكون قبل ذلك ، ثم هو يميتكم من بعد أن خلقكم أحياء ، ثم يحييكم من بعد مماتكم لبعث القيامة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث بعد الموت . وقوله : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ يقول تعالى ذكره : هل من آلهتكم وأوثانكم التي تجعلونهم لله في عبادتكم إياه شركاء من يفعل من ذلكم من شيء ، فيخلق أو يرزق ، أو يميت ، أو ينشر ؛ وهذا من الله تقريع لهؤلاء المشركين . وإنما معنى الكلام أن شركاءهم لا تفعل شيئا من ذلك ، فكيف يعبد من دون الله من لا يفعل شيئا من ذلك ؟ ثم برأ نفسه تعالى ذكره عن الفرية التي افتراها هؤلاء المشركون عليه بزعمهم أن آلهتهم له شركاء ، فقال جل ثناؤه سُبْحانَهُ أي تنزيها لله وتبرئة وَتَعالى يقول : وعلوا له عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول : عن شرك هؤلاء المشركين به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ لا والله سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان . القول في تأويل قوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ يقول تعالى ذكره : ظهرت المعاصي في بر الأرض وبحرها بكسب أيدي الناس ما نهاهم الله عنه . واختلف أهل التأويل في المراد من قوله :