محمد بن جرير الطبري
90
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ خلق السماوات والأرض ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أي البعث بعد الموت . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ قال : هي الحياة بعد الموت ، وهو النشور . وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول تعالى ذكره : إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد إفنائه كهيئته قبل فنائه ، وعلى غير ذلك مما يشاء فعله قادر لا يعجزه شيء أراده . القول في تأويل قوله تعالى : يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ يقول تعالى ذكره : ثم الله ينشئ النشأة الآخرة خلقه من بعد فنائهم ، فيعذب من يشاء منهم على ما أسلف من جرمه في أيام حياته ، ويرحم من يشاء منهم ممن تاب وآمن وعمل صالحا وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ يقول : وإليه ترجعون وتردون . وأما قوله : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ فإن ابن زيد قال في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قال : لا يعجزه أهل الأرضين في الأرضين ولا أهل السماوات في السماوات إن عصوه ، وقرأ : مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وقال في ذلك بعض أهل العربية من أهل البصرة : وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا من في السماء معجزين قال : وهو من غامض العربية للضمير الذي لم يظهر في الثاني . قال : ومثله قول حسان بن ثابت : أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟ أراد : ومن ينصره ويمدحه ، فأضمر " من " . قال : وقد يقع في وهم السامع أن النصر والمدح لمن هذه الظاهرة ؛ ومثله في الكلام : أكرم من أتاك وأتى أباك ، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا . تريد : ومن لم يأت زيدا ، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة من ، كأنه قال : أمن يهجو ، ومن يمدحه ، ومن ينصره . ومنه قول الله عز وجل : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ وهذا القول أصح عندي في المعنى من القول الآخر ، ولو قال قائل : معناه : ولا أنتم بمعجزين في الأرض ، ولا أنتم لو كنتم في السماء بمعجزين كان مذهبا . وقوله : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يقول : وما كان لكم أيها الناس من دون الله من ولي يلي أموركم ، ولا نصير ينصركم من الله إن أراد بكم سوءا ولا يمنعكم منه إن أحل بكم عقوبته . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : والذين كفروا حجج الله ، وأنكروا أدلته ، وجحدوا لقاءه والورود عليه ، يوم تقوم الساعة أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يقول تعالى ذكره : أولئك يئسوا من رحمتي في الآخرة لما عاينوا ما أعد لهم من العذاب ، وأولئك لهم عذاب موجع . فإن قال قائل : وكيف اعترض بهذه الآيات من قوله وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وترك ضمير قوله فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وهو من قصة إبراهيم . وقوله إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . قيل : فعل ذلك كذلك ، لأن الخبر عن أمر نوح وإبراهيم وقومهما ، وسائر من ذكر الله من الرسل والأمم في هذه السورة وغيرها ، إنما هو تذكير من الله تعالى ذكره به الذين يبتدئ بذكرهم قبل الاعتراض بالخبر ، وتحذير منه لهم أن يحل بهم ما حل بهم ، فكأنه قيل في هذا الموضع : فاعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ، فكذبتم أنتم معشر قريش رسولكم محمدا