محمد بن جرير الطبري

86

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : قال ابن زيد ، في قول الله فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ قال : هو المنافق إذا أو ذي في الله رجع عن الدين وكفر ، وجعل فتنة الناس كعذاب الله . وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الإيمان كانوا بمكة ، فخرجوا مهاجرين ، فأدركوا وأخذوا فأعطوا المشركين لما نالهم أذاهم ما أرادوا منهم . ذكر الخبر بذلك : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا محمد بن شريك ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا ، وكانوا يستخفون بإسلامهم ، فأخرجهم المشركون ، يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم قبل بعض ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ، وأكرهوا ، فاستغفروا لهم ، فنزلت : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ إلى آخر الآية ، قال : فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية أن لا عذر لهم ، فخرجوا ، فلحقهم المشركون ، فأعطوهم الفتنة ، فنزلت فيهم هذه الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ إلى آخر الآية ، فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فخرجوا وأيسوا من كل خير ، ثم نزلت فيهم : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ، ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا ، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فكتبوا إليهم بذلك : إن الله قد جعل لكم مخرجا ، فخرجوا ، فأدركهم المشركون ، فقاتلوهم ، حتى نجا من نجا ، وقتل من قتل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ إلى قوله وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ قال : هذه الآيات أنزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة ، وهذه الآيات العشر مدنية إلى هاهنا وسائرها مكي . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ يقول تعالى ذكره : وليعلمن الله أولياء الله ، وحزبه أهل الإيمان بالله منكم أيها القوم ، وليعلمن المنافقين منكم حتى يميزوا كل فريق منكم من الفريق الآخر ، بإظهار الله ذلك منكم بالمحن والابتلاء والاختبار وبمسارعة المسارع منكم إلى الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام ، وتثاقل المتثاقل منكم عنها . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يقول تعالى ذكره : وقال الذين كفروا بالله من قريش للذين آمنوا بالله منهم : اتَّبِعُوا سَبِيلَنا يقول : قالوا : كونوا على مثل ما نحن عليه من التكذيب بالبعث بعد الممات وجحود الثواب والعقاب على الأعمال وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يقول : قالوا فإنكم إن اتبعتم سبيلنا في ذلك ، فبعثتم من بعد الممات ، وجوزيتم على الأعمال ، فإنا نتحمل آثام خطاياكم حينئذ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ قال : قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم ، يقول : قالوا : لا نبعث نحن ولا أنتم ، فاتبعونا إن كان عليكم شيء فهو علينا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَقالَ الَّذِينَ