محمد بن جرير الطبري
81
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن المعاد في هذا الموضع : المفعل من العادة ، ليس من العود ، إلا أن يوجه موجه تأويل قوله : لَرادُّكَ لمصيرك ، فيتوجه حينئذ قوله إِلى مَعادٍ إلى معنى العود ، ويكون تأويله : إن الذي فرض عليك القرآن لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك . فإن قال قائل : فهذه الوجوه التي وصفت في ذلك قد فهمناها ، فما وجه تأويل من تأوله بمعنى : لرادك إلى الجنة ؟ قيل : ينبغي أن يكون وجه تأويله ذلك كذلك على هذا الوجه الآخر ، وهو لمصيرك إلى أن تعود إلى الجنة . فإن قال قائل : أو كان أخرج من الجنة ، فيقال له : نحن نعيدك إليها ؟ قيل : لذلك وجهان : أحدهما : أنه إن كان أبوه آدم صلى الله عليهما أخرج منها ، فكأن ولده بإخراج الله إياه منها ، قد أخرجوا منها ، فمن دخلها فكأنما يرد إليها بعد الخروج . والثاني أن يقال : إنه كان صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة أسري به ، كما روي عنه أنه قال : " دخلت الجنة ، فرأيت فيها قصرا ، فقلت لمن هذا ؟ فقالوا لعمر بن الخطاب " ، ونحو ذلك من الأخبار التي رويت عنه بذلك ، ثم رد إلى الأرض ، فيقال له : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك لمصيرك إلى الموضع الذي خرجت منه من الجنة ، إلى أن تعود إليه ، فذلك إن شاء الله قول من قال ذلك . وقوله : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ربي أعلم من جاء بالهدى الذي من سلكه نجا ، ومن هو في جور عن قصد السبيل منا ومنكم . وقوله : مُبِينٍ يعني أنه يبين للمفكر الفهم إذا تأمله وتدبره ، أنه ضلال وجور عن الهدى . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره : وما كنت ترجو يا محمد أن ينزل عليك هذا القرآن ، فتعلم الأنباء والأخبار عن الماضين قبلك ، والحادثة بعدك ، مما لم يكن بعد ، مما لم تشهده ولا تشهده ، ثم تتلو ذلك على قومك من قريش ، إلا أن ربك رحمك ، فأنزله عليك ، فقوله : إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ استثناء منقطع . وقوله : فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ يقول : فاحمد ربك على ما أنعم به عليك من رحمته إياك ، بإنزاله عليك هذا الكتاب ، ولا تكونن عونا لمن كفر بربك على كفره به . وقيل : إن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم ، وإن معنى الكلام : إن الذي فرض عليك القرآن ، فأنزله عليك ، وما كنت ترجو أن ينزل عليك ، فتكون نبيا قبل ذلك ، لرادك إلى معاد . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ يقول تعالى ذكره : ولا يصرفنك عن تبليغ آيات الله وحججه بعد أن أنزلها إليك ربك يا محمد هؤلاء المشركون بقولهم : لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى وادع إلى ربك وبلغ رسالته إلى من أرسلك إليه بها . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : ولا تتركن الدعاء إلى ربك ، وتبليغ المشركين رسالته ، فتكون ممن فعل فعل المشركين بمعصيته ربه ، وخلافه أمره . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . . . لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . يقول تعالى ذكره : ولا تعبد يا محمد مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودا آخر سواه . وقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول : لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كل شيء هالك إلا وجهه .