محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولم يعدلوا عن جهل منهم ، بأن من لا يقدر على نفع ولا ضر ، خير ممن خلق السماوات والأرض ، وفعل هذه الأفعال ، ولكنهم عدلوا على علم منهم ومعرفة ، اقتفاء منهم سنة من مضى قبلهم من آبائهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً . . . وَجَعَلَ بَيْنَ يقول تعالى ذكره : أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضر ولا ينفع ، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرون عليها لا تميد بكم . وَجَعَلَ لكم خِلالَها أَنْهاراً يقول : بينها أنهارا . وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وهي ثوابت الجبال . وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً بين العذب والملح ، أن يفسد أحدهما صاحبه . أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه ؟ وقوله : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله ، وما عليهم من الضر في إشراكهم في عبادة الله غيره ، ومالهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة ، وإخلاصهم له العبادة ، وبراءتهم من كل معبود سواه . القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ . . . قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون بالله خير ، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء النازل به عنه ؟ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَيَكْشِفُ السُّوءَ قال : الضر . وقوله : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يقول : ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم . وقوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ يقول : أإله مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم ، وينعم عليكم هذه النعم ؟ وقوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ يقول : تذكرا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا ، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته . القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . . . مَعَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون بالله خير ، أم الذي يهديكم في ظلمات البر والبحر إذا ضللتم فيهما الطريق ، فأظلمت عليكم السبل فيهما ؟ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ والظلمات في البر ، ضلالة الطريق ، والبحر ، ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه . قوله : وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يقول : والذي يرسل الرياح بشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته ، يعني : قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض . وقوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : أإله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه ، أو تشركوه في عبادتكم إياه . تَعالَى اللَّهُ يقول : لله العلو والرفعة عن شرككم الذي تشركون به ، وعبادتكم معه ما تعبدون . القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . . بُرْهانَكُمْ يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون أيها القوم خير ، أم الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، فينشئه من غير أصل ، ويبتدعه ثم يفنيه إذا شاء ، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه ، والذي يرزقكم من السماء والأرض فينزل من هذه الغيث ، وينبت من هذه النبات لأقواتكم ، وأقوات أنعامكم . أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ سوى الله يفعل ذلك ؟ وإن زعموا أن إلها غير الله يفعل ذلك أو شيئا منه ف قُلْ لهم يا محمد هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على أن شيئا سوى الله يفعل ذلك . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم . و " من " التي في " أمن " و " ما " مبتدأ في قوله : أما يشركون ، والآيات بعدها إلى قوله : وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ