محمد بن جرير الطبري
65
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فكذلك قوله : " ويختار ، ما كان لهم الخيرة " ولم يتقدم قبله من الله تعالى ذكره خبر عن أحد ، أنه ادعى أنه كان له الخيرة ، فيقال له : ما كان لك الخيرة ، وإنما جرى قبله الخبر عما هو صائر إليه أمر من تاب من شركه ، وآمن وعمل صالحا ، وأتبع ذلك جل ثناؤه الخبر عن سبب إيمان من آمن وعمل صالحا منهم ، وأن ذلك إنما هو لاختياره إياه للإيمان ، وللسابق من علمه فيه اهتدى . ويزيد ما قلنا من ذلك إبانة قوله : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ فأخبر أنه يعلم من عباده السرائر والظواهر ، ويصطفى لنفسه ويختار لطاعته من قد علم منه السريرة الصالحة ، والعلانية الرضية . والثالث : أن معنى الخيرة في هذا الموضع : إنما هو الخيرة ، وهو الشيء الذي يختار من البهائم والأنعام والرجال والنساء ، يقال منه : أعطي الخيرة والخيرة ، مثل الطيرة والطيرة ، وليس بالاختيار ، وإذا كانت الخيرة ما وصفنا ، فمعلوم أن من أجود الكلام أن يقال : وربك يخلق ما يشاء ، ويختار ما يشاء ، لم يكن لهم خير بهيمة أو خير طعام ، أو خير رجل أو امرأة . فإن قال : فهل يجوز أن تكون بمعنى المصدر ؟ قيل : لا ، وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى الكلام : وربك يخلق ما يشاء ويختار كون الخيرة لهم . إذا كان ذلك معناه ، وجب أن لا تكون الشرار لهم من البهائم والأنعام ؛ إذا لم يكن لهم سرائر ذلك وجب أن لا يكون لها مالك ، وذلك مالا يخفى خطؤه ، لأن لخيارها ولشرارها أربابا يملكونها بتمليك الله إياهم ذلك ، وفي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلى معنى المصدر . وقوله سبحانه وتعالى : عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره تنزيها لله وتبرئة له ، وعلوا عما أضاف إليه المشركون من الشرك ، وما تخرصوه من الكذب والباطل عليه . وتأويل الكلام : سبحان الله وتعالى عن شركهم . وقد كان بعض أهل العربية يوجهه إلى أنه بمعنى : وتعالى عن الذي يشركون به . القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ يقول تعالى ذكره : وربك يا محمد يعلم ما تخفي صدور خلقه ؛ وهو من : أكننت الشيء في صدري : إذا أضمرته فيه ، وكننت الشيء : إذا صنته ، وَما يُعْلِنُونَ : يقول : وما يبدونه بألسنتهم وجوارحهم ، وإنما يعني بذلك أن اختيار من يختار منهم للإيمان به على علم منه بسرائر أمورهم وبواديها ، وإنه يختار للخير أهله ، فيوفقهم له ، وي 0 ولي الشر أهله ، ويخليهم وإياه . وقوله : وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول تعالى ذكره : وربك يا محمد المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له ، ولا معبود تجوز عبادته غيره . لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى يعني في الدنيا والآخرة . وَلَهُ الْحُكْمُ يقول : وله القضاء بين خلقه . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول : وإليه تردون من بعد مماتكم ، فيقضي بينكم بالحق . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله : أيها القوم أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل دائما لا نهار إلى يوم القيامة يعقبه . والعرب تقول لكل ما كان متصلا لا ينقطع من رخاء أو بلاء أو نعمة هو سرمد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : سَرْمَداً : دائما لا ينقطع . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ثنى حجاج ، ثني حجاج ، عن ابن أبي جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني