محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أهل الجهل والباطل في باطلهم ، أتاهم من أمر الله ما وقذهم عن ذلك . وقال آخرون : عني باللغو في هذا الموضع : ما كان أهل الكتاب ألحقوه في كتاب الله ، مما ليس هو منه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا إلى آخر الآية ، قال : هذه لأهل الكتاب ، إذا سمعوا اللغو الذي كتب القوم بأيديهم مع كتاب الله ، وقالوا : هو من عند الله ، إذا سمعه الذين أسلموا ، ومروا به يتلونه ، أعرضوا عنه ، وكأنهم لم يسمعوا ذلك قبل أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كانوا مسلمين على دين عيسى ، ألا ترى أهم يقولون : إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . وقال آخرون في ذلك بما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن منصور ، عن مجاهد وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ قال : نزلت في قوم كانوا مشركين فأسلموا ، فكان قومهم يؤذونهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جويرية ، عن منصور ، عن مجاهد ، قوله وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ قال : كان ناس من أهل الكتاب أسلموا ، فكان المشركون يؤذونهم ، فكانوا يصفحون عنهم ، يقولون : سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ . وقوله : أَعْرَضُوا عَنْهُ يقول : لم يصغوا إليه ولم يستمعوه وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع ، إنما هو ما قاله مجاهد ، من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم ، وأهم أجابوهم بالجميل من القول لَنا أَعْمالُنا قد رضينا بها لأنفسنا ، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ قد رضيتم بها لأنفسكم . وقوله : سَلامٌ عَلَيْكُمْ يقول : أمنة لكم منا أن نسابكم ، أو تسمعوا منا ما لا تحبون لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ يقول : لا نريد محاورة أهل الجهل ومسابتهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أن يهديه من خلقه ، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله . ولو قيل : معناه : إنك لا تهدي من أحببته ، لقرابته منك ، ولكن الله يهدي من يشاء ، كان مذهبا . وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يقول جل ثناؤه : والله أعلم من سبق له في عمله أنه يهتدي للرشاد ، ذلك الذي يهديه الله فيسدده ويوفقه . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته ، إذ دعاه إلى الإيمان بالله ، إلى ما دعاه إليه من ذلك . ذكر الرواية بذلك : حدثنا أبو كريب والحسين بن علي الصدائي ، قالا : ثنا الوليد بن القاسم ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الموت : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال : لولا أن تعيرني قريش لأقررت عينك ، فأنزل الله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الآية . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن يزيد بن كيسان ، قال : ثني أبو حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه : رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل لا إله إلا الله " ثم ذكر مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن يزيد بن كيسان سمع أبا حازم الأشجعي ، يذكر عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب ، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عماه قل لا إله إلا الله " فذكر مثله ، إلا أنه قال : لولا أن تعيرني قريش ، يقولون : ما حمله عليه إلا جزع الموت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن عبيد ،