محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وذكر أن ذلك بحر من وراء مصر ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ قال : كان اليم بحرا يقال له إساف ، من وراء مصر ، غرقهم الله فيه . وقوله : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره : فانظر يا محمد بعين قلبك : كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، فكفروا بربهم وردوا على رسوله نصيحته ، ألم نهلكهم فنورث ديارهم وأموالهم أولياءنا ، ونخولهم ما كان لهم من جنات وعيون وكنوز ، ومقام كريم ، بعد أن كانوا مستضعفين ، تقتل أبناؤهم ، وتستحيا نساؤهم ، فإنا كذلك بك وبمن آمن بك وصدقك فاعلون مخولوك وإياهم ديار من كذبك ، ورد عليك ما أتيتهم به من الحق وأموالهم ، ومهلكوهم قتلا بالسيف ، سنة الله في الذين خلوا من قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ . . . وَأَتْبَعْناهُمْ يقول تعالى ذكره : وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله ، والكفر به ، يدعون الناس إلى أعمال أهل النار . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ يقول جل ثناؤه : ويوم القيامة لا ينصرهم إذا عذبهم الله ناصر ، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون ، فاضمحلت تلك النصرة يومئذ . وقوله : وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيا وغضبا منا عليهم ، فحتمنا لهم فيها بالهلاك والبوار والثناء السيئ ، ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة ، فمخزوهم بها الخزي الدائم ، ومهينوهم الهوان اللازم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ قال : لعنوا في الدنيا والآخرة ، قال : هو كقوله وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة أخرى ، ثم استقبل فقال : هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ وقوله : هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يقول تعالى ذكره : هم من القوم الذين قبحهم الله ، فأهلكهم بكفرهم بربهم ، وتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام ، فجعلهم عبرة للمعتبرين ، وعظة للمتعظين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ يقول تعالى ذكره : ولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين . بَصائِرَ لِلنَّاسِ يقول : ضياء لبني إسرائيل فيما بهم إليه الحاجة من أمر دينهم . وَهُدىً يقول : وبيانا لهم ورحمة لمن عمل به منهم . لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يقول : ليتذكروا نعم الله بذلك عليهم ، فيشكروه عليها ولا يكفروا وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد وعبد الوهاب ، قالا : ثنا عوف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة ، ألم تر أن الله يقول : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . . القول في تأويل قوله تعالى :